إلى المؤمنين ، تشريع بشأن الإشهاد على الوصيّة بشاهدين من غيرهم ، فمن أصابته مصيبة الموت في السّفر ، ولم يجد شاهدين منهم . فكلّ من الغيبة والخطاب ، وكذلك حكاية استهزاء الكفّار ، والتّشريع وقع في المحلّ المناسب له .
ثانيا : ليس المراد بالحبس فيهما الإلقاء في السّجن ، بل الإيقاف ، أو المنع عن السّير ، كما سبق في ( 1 ) . وأمّا في ( 2 ) فالمنع عن مسير الشّاهدين يشعر بأنّ الشّهادة كأنّها صعب عليهما ، فيأبيان عن تحمّلها أو أدائها - كما يأتي - ويريدان المضيّ عنها فيحبسونهما ويسدّون طريقهما ، ففي التّعبير بالحبس في كلّ من الآيتين نكتة ولطف .
ثالثا : هل المراد حبسهما من أجل تحمّل الشّهادة في السّفر عن الموصى ، أو من أجل أداء الشّهادة عند الورثة أو القضاة بعد رجوعهما إلى الوطن ؟
فالمفسّرون أطبقوا على الثّاني لأنّهم قالوا : فيها للورثة ، أو للقضاة ، وهؤلاء موجودون في الحضر دون السّفر عادة ، ويشهد به قوله :
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ ،
وكذلك ما ورد في سبب نزولها حيث استشهد مسلم رجلين نصرانيّين في السّفر فخانا وأخذا بعض ماله وأنكراه للورثة بعد رجوعهما . ( الطّبرسيّ 2 : 256 ) ، ويدلّ عليه أيضا قوله :
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما . . .
المائدة : 107 .
ومع ذلك كلّه فالأوّل ، أي حبسهما لتحمّل الشّهادة ليس بعيدا ، نظرا إلى صدر الآية :
شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
فإنّ ( اخران ) عطف على ( اثنان ) وهما عند الموت في السّفر ، وللبحث في الآية مجال واسع ، لاحظ « ش ه د » ، و « وص ي » .
خامسا : اختلفوا في ( تحبسونهما ) أهو استئناف ، أو صفة ل ( اخران ) ، وما بينهما وهو
إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ
اعتراض بين الصّفة والموصوف ، وأفاد الاعتراض أنّ العدول إلى ( اخران ) من غير ملّة وقرابة خاصّ بمن مات في السّفر ، ولم يجد شاهدين من المؤمنين . ورجّح الزّمخشريّ الاستئناف وأنّه بمثابة جواب سؤال مقدّر ، كأنّه قيل - بعد اشتراط العدالة فيهما - : فكيف نعمل إن ارتبنا بهما ؟
فقيل : ( تحبسونهما ) . وتبعه جملة ممّن بعده من المفسّرين ، فلاحظ .