( يا ربّ منك الدعاء ومنك الإجابة معا )
وللبحث في حقيقة رضى اللّه ورضوانه وحبّه ، والفرق بينهما بعد ذلك مجال واسع ، لاحظ « ر ض ي » .
8 - وكما تبادل الحبّ والرّضا بين الرّبّ والعبد في القرآن ، كذلك تبادل بينهما الوفاء بالعهد مرّة :
أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
البقرة : 40 .
وتبادل الذّكر بينهما مرّة أيضا :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
البقرة : 152 .
وكذلك تبادل الشّكر بينهما مرّة :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً
النّساء : 147 ، وبمعناها :
وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ
البقرة : 158 .
وقد ابتدأ في هذه الآيات التّبادل بالعباد ، وانتهى باللّه ، عكس الرّضا ، وفي كلّ منهما بحوث ستذكر في محالّها .
وبإزاء تبادل الذّكر بينهما مدحا جاء تبادل النّسيان بينهما ذمّا :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
التّوبة : 67 ، وبمعناها :
فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا
الأعراف :
51 ، ومثلها الجاثية : 34 ، والسّجدة : 14 ، وطه : 126 ، والحشر : 19 ، فلاحظ .
ثالثا : جاءت في تحبيب اللّه آيتان :
إحداهما : ( 42 ) بلفظ التّحبيب وهو خاصّ بالعبد والرّبّ
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
وفيها بحوث :
1 - تحبيب الإيمان وتزيينه في قلوب المؤمنين من أسباب التّوفيق وأطوار الهداية الّتي نصّ عليها القرآن في
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ . . .
الأنعام : 125 ، وهذه هبة من اللّه للمخلصين من المؤمنين ، وتأييد لهم ، وتجاوب معهم ، وجزاء لهم في حياتهم الدّينيّة .
2 - تحبيب الإيمان في القلوب حتّى تحبّه القلوب يصدر عن تزيينه وتجميله في القلوب ، فإنّ القلوب تحبّ الجميل والمزيّن ، فهما كالسّبب والمسبّب ، أو هما شيء واحد جاء بلفظين تبيانا وتوضيحا وترغيبا إلى الإيمان وإلى مزيد من شكر العبد للرّبّ ، وكلاهما في القلوب دون العيون .
3 - وبإزائها الخذلان والتّضليل الخاصّ بالمستكبرين ، كما جاء في ذيل آية الأنعام : 125 :
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ .
وكلّ من التّحبيب والتّضييق تجاوب مع العبد وعمله ، من التّسليم للّه أو الإعراض عنه .
4 - وللبحث حول الهداية والضّلالة في القرآن مجال واسع وخلاف شائع ، لاحظ المادّتين .
وثانيتهما : ( 43 )
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
وقد اختصّت بالتّحبيب بين النّاس بإلقاء اللّه محبّة أحد في قلوب النّاس حتّى يحبّونه جميعا ، وفيها بحوث أيضا :
1 - الفرق بين إلقاء المحبّة في هذه ، وبين التّحبيب في ذاك ، كالفرق بين تعليم اللّه الأنبياء والأولياء مباشرة وبين تعليم النّاس غيرهم شيئا من العلم ، وهو من اللّه أيضا لكن لا بالمباشرة ، بل بالتّسبيب ، حسب ما نفهمه ونشاهده من الأسباب والمسبّبات في حوادث الكون ومجريات الأمور ، وتعترف به الفلسفة الدّارجة .