المستقرّة المتأكّدة ، وانجذابها إلى اللّذّات الرّوحانيّة كالحالة الطّارئة الّتي تزول بأدنى سبب ، فلا جرم كان الغالب على الخلق إنّما هو الميل الشّديد إلى اللّذّات الجسمانيّة .
وأمّا الميل إلى طلب اللّذّات الرّوحانيّة فذاك لا يحصل إلّا للشّخص النّادر ، ثمّ حصوله لذلك النّادر لا يتّفق إلّا في أوقات نادرة ، فلهذا السّبب عمّ اللّه هذا الحكم في الكلّ ، فقال :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ .
( 7 : 209 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 3 : 146 )
مغنيّة : وتسأل : إنّ الشّهوة تتضمّن معنى الحبّ ، كما أنّ الحبّ يتضمّن معنى الشّهوة ، وعليه يكون معنى الآية أنّ النّاس يحبّون الحبّ ، ويشتهون الشّهوة ، ومثل هذا ليس بمستقيم ، وكلام اللّه يجب أن يحمل على أحسن المحامل ؟
الجواب : أنّ حبّ الإنسان للشّيء على نوعين :
الأوّل : أن يحبّه ، ولا يحبّ أن يحبّه ، أي أنّه يودّ من أعماق نفسه لو انقلب حبّه لهذا الشّيء كرها وبغضا ، كمن اعتاد على مشروب ضارّ ، وهذا يوشك أن يرجع عن حبّه يوما .
النّوع الثّاني : أن يحبّ الشّيء ، وهو راض ، ومغتبط بهذا الحبّ ، كمن اعتاد على فعل الخير ، قال تعالى حكاية عن سليمان :
إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ
ص : 32 ، وهذا أقصى درجات الحبّ ، وصاحبه لا يكاد يرجع عنه . ( 2 : 20 )
الطّباطبائيّ : المراد بحبّ الشّهوات : التّوغّل والانغمار في حبّها ، وهو المنسوب إلى الشّيطان ، دون أصل الحبّ المودع في الفطرة ، وهو المنسوب إلى اللّه سبحانه . ( 3 : 106 )
حبّ - أحببت
3 -
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ * فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي . . .
ص : 31 ، 32
الفرّاء : آثرت حبّ الخيل . ( 2 : 405 )
مثله الزّجّاج ( 4 : 330 ) ، والواحديّ ( 3 : 551 ) ، والبغويّ ( 4 : 68 ) ، والميبديّ ( 8 : 343 ) ، وأبو الفتوح الرّازيّ ( 16 : 270 ) ، وابن الجوزيّ ( 7 :
129 ) ، والنّسفيّ ( 4 : 40 ) ، والخازن ( 6 : 46 ) ، والقاسميّ ( 14 : 5098 ) ، والطّباطبائيّ ( 17 : 203 ) ، وعبد الكريم الخطيب ( 12 : 1082 ) .
أبو عبيدة : مجازه ، أحببته حبّا ، ثمّ أضاف الحبّ إلى الخير . ( 2 : 182 )
مثله الطّبريّ . ( 23 : 154 )
الماورديّ : في
أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ
وجهان :
أحدهما : أنّ فيه تقديما وتأخيرا ، تقديره : أحببت الخير حبّا فقدّم . فقال : أحببت حبّ الخير ، ثمّ أضاف فقال :
أحببت حبّ الخير ، قاله بعض النّحويّين .
الثّاني : أنّ الكلام على الولاء في نظمه من غير تقديم ولا تأخير ، وتأويله : آثرت حبّ الخير . ( 5 : 92 )
نحوه الطّوسيّ . ( 8 : 560 )
الرّاغب : أحببت الخيل حبّي للخير . ( 105 )
الزّمخشريّ : فإن قلت : ما معنى
أَحْبَبْتُ حُبَّ