عذابه ، يمنع ولا يمنع منه ، ولا يمنعه من مستحقّي الثّواب مانع ولا يدفعه من مستوجب العذاب دافع ، يؤمن من يشاء ، ولا يؤمن من أخافه اللّه ، يمنع هو من السّوء من يشاء ولا يمنع من أراده بسوء . هو يجير من العذاب ولا يجار عليه منه ، يغيث من يشاء ولا يغيث أحد منه أحدا ، يغيث من يشاء فيكون في حرز ، ولا يمكّن أحدا أبدا أن يجير جوارا يكون مستعليا عليه ، يأخذ من أراد وإن نصره جميع الخلائق ويعلي من أراد وإن تحاملت عليه كلّ المصائب . . . يحمي من استجار به ، ولا يحمى عنه شيء إذا أراد شيئا بسوء ونحوها - عباراتنا شتّى وحسنك واحد - وفيها بحوث :
1 - ( على ) في
وَلا يُجارُ عَلَيْهِ
للاستعلاء كما قال الشّربينيّ : « لا يجير أحد أحدا جوارا يكون مستعليا عليه » أو لتضمينه معنى النّصرة ، أي لا نصرة لأحد على اللّه .
2 - قيل : هي خاصّة بالدّنيا أو بالآخرة ، والجمع أولى ، قال الطّباطبائيّ : « وهذا جار في جميع أفعاله تعالى ، فما من شيء يخصّه اللّه بعطيّة حدوثا أو بقاء إلّا وهو يحفظه على ما يريد . . . » .
وفي « التّأويلات النّجميّة » : « وهو يجير الأشياء من الهلاك بالقيموميّة ولا مانع له ممّن أراد هلاكه » . والشّاهد عليه صدر الآية
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ .
3 - قال الخطيب : « لا سلطان لأحد يدفع بأسه ويكشف ضرّه ، من هذا ولمن هذا ؟
جواب واحد : هو اللّه ربّ العالمين وللّه ربّ العالمين ، والنّتيجة واحدة : الاستسلام للّه والولاء للّه » . فالآية تجسيم للتّوحيد الأفعاليّ بألطف بيان شعبيّ عرفيّ .
الرّابعة : ( يجير ) ( 5 )
فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
وهي نظير ( 3 )
وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
أي إن أهلكنا أو عذّبنا مع ما نرجو من رحمته ، فمن ينجّيكم من عذاب أليم مع كفركم ؟ فلن يغيّر الوضع الّذي نكون عليه شيئا من وضعكم .
الخامسة : ( يجير ) ( 6 )
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً
قالوا : يحتمل وجهين :
أحدهما : لن يجيرني مع إجارة اللّه لي أحد .
الثّاني : لن يجيرني ممّا قدّره اللّه عليّ أحد .
وبمعنى الثّاني قولهم : لا يمنعني أحد ممّا قدّره اللّه عليّ ، لن يمنعني منه أحد إن عصيته ، لا يقدر أن يجير على اللّه حتّى يدفع عنه ما يريده به من العقاب ، فيدفع عنّي ما يدفع المجير عن جاره ، ينقذني ويخلّصني من اللّه من قهره وعذابه إن خالفت أمره . . . لن ينجيني منه أحد إن أرادني بسوء قدّره عليّ . . . ولن ينصرني منه ناصر ، إن أراد بي سوء .
ويؤيّد هذا الوجه ما بعدها
وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً
أي لم أجد من دون اللّه ملجأ ولا معينا ، وكذلك ما قبلها
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً . . .
فالمراد بها الإخلاص في التّوحيد الأفعاليّ ، وأنّه لا شأن له عليه السّلام إلّا إبلاغ رسالات اللّه .
السّادسة : ( جار ) ( 7 )
وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ
هذا من تتمّة قول الشّيطان : أي إنّي مخلص لكم ، وعد أتباعه بالنّجاة ثمّ تخلّف وتبرّأ منهم :
وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ .
وفيها بحوث :