البحث ، وهو أنّه ليس المراد من « الجار » جار الدّار ، بل هو من يؤوي غيره ويؤمّنه ويلجئه إليه ، لأنّ من عادة العرب - وخاصّة القبائل أو الطّوائف القويّة منها - أن تلجئ أصدقاءها وأصحابها إليها ، وتؤمّنهم وتدافع عنهم بكلّ ما أوتيت من قوّة .
فالشّيطان يمنح أصحابه المشركين الأمان وورقة اللّجوء إليه . ( 5 : 415 )
فضل اللّه : أجيركم من كلّ سوء ، وأمنحكم القوّة عند الضّعف ، وأثبتكم عند الاهتزاز . ( 10 : 397 )
الجار
1 -
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ . . .
النّساء : 36
النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « كلّ أربعين دارا جيران من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله » .
ونحوه الإمام الباقر عليه السّلام . ( الكاشانيّ 1 : 415 )
ابن عبّاس : جار بينك وبينه قرابة له ثلاثة حقوق :
حقّ القرابة ، وحقّ الإسلام ، وحقّ الجوار . ( 70 )
نحوه الواحديّ . ( 2 : 49 )
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى
يعني : ذا الرّحم .
( الطّبريّ 5 : 78 )
نحوه مجاهد والضّحّاك وابن زيد . ( الطّبريّ 5 : 78 ) ، والبغويّ ( 1 : 616 ) .
ميمون بن مهران : الرّجل يتوسّل إليك بجوار ذي قرابتك . ( الطّبريّ 5 : 78 )
قتادة : إذا كان له جار له رحم ، فله حقّان اثنان :
حقّ القرابة ، وحقّ الجار . ( الطّبريّ 5 : 78 )
أبو عبيدة : القريب . ( 1 : 126 )
نحوه ابن قتيبة . ( 126 )
الطّبريّ : [ نقل قول ميمون بن مهران ثمّ قال : ]
وهذا القول قول مخالف المعروف من كلام العرب ؛ وذلك أنّ الموصوف بأنّه ذو القرابة ، في قوله :
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى
الجار دون غيره ، فجعله قائل هذه المقالة :
جار ذي القرابة . ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران ، لقيل : وجار ذي القربى ، ولم يقل : والجار ذي القربى ، فكان يكون حينئذ إذا أضيف الجار إلى ذي القرابة : الوصيّة بين جار ذي القرابة دون الجار ذي القربى .
وأمّا و ( الجار ) بالألف واللّام ، فغير جائز أن يكون ( ذي القربى ) إلّا من صفة الجار ، وإذا كان ذلك كذلك كانت الوصيّة من اللّه في قوله :
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى
بين الجار ذي القربى ، دون جار ذي القرابة ، وكان بيّنا خطأ ما قال ميمون بن مهران في ذلك .
وقال آخرون : معنى ذلك والجار ذي القربى منكم بالإسلام .
وعن نوف الشّاميّ
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى
المسلم ، وهذا أيضا ممّا لا معنى له ؛ وذلك أنّ تأويل كتاب اللّه تبارك وتعالى غير جائز صرفه إلّا إلى الأغلب من كلام العرب ، الّذين نزل بلسانهم القرآن المعروف ، وفيهم دون الأنكر الّذي لا تتعارفه ، إلّا أن يقوم بخلاف ذلك