وممّا يلفت النّظر أنّ زوجته خديجة عليهما السّلام بعد عودته عن حراء متأثّرا بحدث الوحي وثقله - كما تشهد به سورة المدّثّر - قالت تسكينا وتطمينا له حتّى ذهب عنه الرّوع ، ما هو مؤدّى هذه الآية . كما جاء في تفسير الطّبريّ ج 30 ص : 251 : « أبشر فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا ، وو اللّه إنّك لتصل الرّحم وتصدق الحديث وتؤدّي الأمانة ، وتحمل الكلّ ، وتقري الضّيف ، وتعين على نوائب الحقّ . . . »
ومن الطّريف أنّ آخر آية منها نزولا جاءت بهذا السّياق أيضا ( 49 ) :
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ
كلّ ذلك تسلية له عمّا كانوا يرمونه به ، لا عن شكّ منه في مصدر الوحي ، كما جاء في بعض الرّوايات الدّخيلة ، لاحظ « وح ي ، والقرآن » .
وثانيتهما : خطاب منه إليه أيضا مبشّرا بأنّ القرآن ذكر للعالمين وليس كلام مجنون :
وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ .
فيبدو من الآيتين أنّهما دفع شبهة عن القرآن ، أثاروها بتهمة الجنون إلى النّبيّ عليه السّلام :
ابتداء بإبطال الشّبهة بتّا بالقسم والبرهان ، وختما بحكاية ما يشعر بابتداء رميهم بها ، كما يبدو من توالي هاتين السّورتين أنّه عليه السّلام لم يبدأ بتلاوة القرآن إلّا وقد واجهوه بالتّكذيب أوّلا ، ثمّ برميه إلى الجنون ثانيا .
3 - إذا افترقت سورة العلق عن سورة القلم باختصاص الأولى بتكذيبهم النّبيّ والثّانية برميه بالجنون فهناك اشتراك بينهما بذكر القراءة والعلم والقلم والكتابة فيهما ، ممّا ينبغي أن نعتبرها « براعة الاستهلال » للقرآن - كما في علم البلاغة - وإعلاما بأنّه مثار العلم ومزيل الجهل ، وقد صدّقته الثّقافة الإسلاميّة الواسعة العجيبة في شتّى العلوم ، لاحظ « القرآن » .
4 - ثالثة الآيات نزولا لدفع شبهة الجنون عنه عليه السّلام جاءت بشأن القرآن مؤكّدة بعدّة أقسام ، ومتفائلة بمستقبل هذا الكتاب أيضا :
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ * لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
التّكوير : 15 - 29 .
فأكّد بعد أقسام مؤكّدة أنّ القرآن قول رسول كريم مكين عند اللّه ، ذي قوّة مطاع أمين عنده - وهو جبرئيل - ثمّ قال :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ . . .
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ .
وفيه إشارة إلى أنّهم أرادوا برميه بالجنون أنّه قول الجنّ ، فإنّ الشّيطان كان من الجنّ ، وتمام البحث في هذه الآيات موكول إلى « القرآن » و « القسم » وغيرهما .
5 - في الآيات رقم ( 44 - 46 و 49 ) جاء اتّهامه بالجنون أيضا ، وليست بعيدة عن علاقتها بالقرآن بل قريبة بها ، فقد خاطبه المشركون في ( 44 ) ب
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
أي أنّ الذّكر - وهو القرآن - مصدره الجنون ، فردّ اللّه عليهم بسياق مؤكّد بعد آيات :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
الحجر : 9 .