أولى بالذّكر ، لأنّ نقله من الأرض إلى السّماء من أعظم النّعم ، فدلّ على أنّ ذلك لم يحصل ؛ وذلك يوجب أنّ المراد من ( الجنّة ) الّتي قال اللّه :
اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
ليست في غير الدّنيا .
ومنهم من قال : إنّ تلك الجنّة كانت في السّماء السّابعة ، والدّليل عليه قوله :
اهْبِطُوا
وهو قول الجبّائيّ . قالوا : « إنّ الإهباط الأوّل كان من السّماء السّابعة إلى السّماء الأولى ، والإهباط الثّاني كان من السّماء إلى الأرض » .
ومنهم من قال : إنّ هذه الجنّة هي دار الثّواب ، بدليل أنّ الألف واللّام في لفظ ( الجنّة ) لا يفيدان العموم ، لأنّ سكون جميع الجنان محال ، فلا بدّ من صرفهما إلى المعهود السّابق إلى الفهم . والجنّة الّتي هي المعهود المعلوم بين المسلمين هي دار الثّواب ، فوجب صرف اللّفظ إليها وهو قول المفسّرين ، والحسن البصريّ ، وعمرو بن عبيدة ، وواصل بن عطاء وكثير من المعتزلة ، وأصحاب أبي الحسن الأشعريّ . وهو المختار عند الإمام الرّازيّ في تفسيره « الكبير » .
ومنهم من قال : إنّ الكلّ ممكن ، والأدلّة النّقليّة ضعيفة ، ومع ضعفها متعارضة ، فوجب التّوقّف وترك القطع . ( 3 : 81 )
البروسويّ : [ نحو الشّربينيّ وأضاف : ]
وفيه نظر ، لأنّ الهبوط قد يستعار للانتقال إذا ظهر امتناع حقيقته واستبعادها ، وهناك ليس كذلك .
( 1 : 106 )
رشيد رضا : قد اختلف علماء المسلمين من أهل السّنّة وغيرهم في ( الجنّة ) هل هي البستان أو المكان الّذي تظلّله الأشجار بحيث يستتر الدّاخل فيه ، كما يفهمه أهل اللّغة ؟ أم هي الدّار الموعود بها في الآخرة ؟
والمحقّقون من أهل السّنّة على الأوّل . قال الإمام أبو منصور الماتريديّ في تفسيره المسمّى ب « التّأويلات » :
نعتقد أن هذه ( الجنّة ) بستان من البساتين أو غيضة من الغياض ، كان آدم وزوجه منعّمين فيها ، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها ، وهذا هو مذهب السّلف ، ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السّنّة وغيرهم . ( 1 : 276 )
مكارم الشّيرازيّ : يبدو أنّ الجنّة الّتي مكث فيها آدم قبل هبوطه إلى الأرض ، لم تكن الجنّة الّتي وعد بها المتّقون ، بل كانت من جنان الدّنيا ، وصقعا منعّما خلّابا من أصقاع الأرض ، ودليلنا على ذلك :
أوّلا : الجنّة الموعودة في القيامة نعمة خالدة ، والقرآن ذكر مرارا خلودها ، فلا يمكن إذن الخروج منها .
ثانيا : إبليس الملعون ليس له طريق للجنّة ، وليس لوسوسته مكان هناك .
ثالثا : وردت عن أهل البيت عليهم السّلام روايات تصرّح بذلك ، منها : ما روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليهما السّلام أنّه سئل عن جنّة آدم ، فقال : « جنّة من جنّات الدّنيا ، يطلع فيها الشّمس والقمر ، ولو كان من جنان الآخرة ما خرج منها أبدا » .
من هذا يتّضح أنّ هبوط آدم ونزوله إلى الأرض لم يكن مكانيّا بل مقاميّا ، أي أنّه هبط من مكانته السّامية ، ومن تلك الجنّة المزدانة .