3 - بالغ اللّه في جزاء الفريقين بصيغة واحدة ، وهي ( جزيناهم ) بضمير الجمع ( نا ) الدّالّ على عظم الجرم والاهتمام بالجزاء ، مع فارق بينهما بأمرين :
الأوّل : قال في الأولى :
جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا
دون ( كفرهم ) ، وفي الثّانية
جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ
دون ( بما بغوا ) ومرجعهما واحد ، إلّا أنّ الفعل أو في بالمراد من المصدر .
الثّاني : ذيّل الأولى ب
هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
وهذه بما فيها من الاستفهام الإنكاريّ أو التّقريريّ ، وتكرار الجزاء و ( الكفران ) بلفظي ( نجازى ) و ( الكفور ) أبلغ وأوفى بالمقصود أيضا ، واكتفى في الثّانية ب
وَإِنَّا لَصادِقُونَ .
ثانيا : جاءت في « جزاء الشّاكرين » ثلاث آيات ( 4 - 6 ) بفارق بينها : ففي ( 4 ) بشأن آل لوط بأسلوب بالغ في الجزاء
نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ
فعبّر اللّه عن نفسه بصيغة الجمع ثلاث مرّات : ( نا ) مرّتين ، و ( نجزى ) مرّة ، مع الجمع بين ( النّجاة والنّعمة ) و ( عندنا ) و ( الجزاء ) وإضافة إلى التّركيز كقانون قوله : ( من شكر ) وهو أوفى وأعمّ من ( الشّاكرين ) . وهذه خاصّة بجزاء الدّنيا .
أمّا في ( 5 و 6 ) فجاء بشأن من آمن بالنّبيّ محمّد عليه السّلام
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
و
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ
مع ( سين ) الاستعجال فيهما وبصيغة الغيبة في الأولى ، والمتكلّم جمعا في الثّانية . والتّكرار بصيغتين فيهما وإن أكّد الجزاء إلّا أنّه لا يبلغ مبلغ التّأكيد في ( 4 ) ، ومع ذلك فإنّهما ظاهرتان في جزاء الآخرة ، وإن احتملتا الدّارين :
الدّنيا والآخرة معا .
ثالثا : جاء : جزاء الحسنى ، والإحسان ، والمحسنين في « 13 » آية : ( 7 - 19 ) وفيها بحوث :
1 - جاء في ( 7 )
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً
فركّز لمن آمن وعمل صالحا جزاء الحسنى مع القول له ( يسرا ) ولم يذكر فيها يوم القيامة ، فالجزاء فيها يعمّ الدّنيا والآخرة ، وإن يشعر ( سنقول ) بما يقوله لهم في الآخرة .
وهذه خاصّة بجزاء الحسنى ، دون جزاء الإحسان .
2 - وقد أتى في ( 8 ) بقانون عامّ في « جزاء الإحسان » وهو أنّ جزاء الإحسان ليس إلّا الإحسان ، مؤكّدا له بأسلوب الاستفهام التّقريريّ ، وتعميما للدّنيا والآخرة ، كأنّه حقّ طبيعيّ للإحسان ، وللمحسنين .
[ لاحظ نصّ الفخر الرّازيّ في هذه الآية ]
3 - جاء جزاء المحسنين « 11 » مرّة ففي ( 9 ) :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ .
فركّز أوّلا : في سياق الحصر مبالغة : أنّهم هم المتّقون .
وثانيا : أنّ لهم ما يشاؤون بإيكال الجزاء بحسب ما يشاؤون . وهذا توسيع وتكريم بالغ لهم .
وثالثا : أنّ جزاءهم مضمون لهم عند ربّهم الّذي ربّاهم ، وأنعم عليهم في حياتهم الدّنيا . وهذا ضمان مقرون يشاهد .
ورابعا : أكّدها بإعطاء قانون عامّ ، وهو أنّ ذلك جزاء المحسنين بدل « ذلك جزاءهم » ، فصرّح بأنّ هؤلاء محسنون ، وأنّ ذلك جزاء المحسنين . وقد جمع اللّه فيها بين