العطشان بما يرفع عطشه ، لكن لمّا وقع على ماء صديد فيشعر بأنّه مكره على شرب ما يشمئزّ منه . لكن عبّر عنه بالسّقي ، فيكون
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
نظير :
ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
آل عمران : 181 ، ( لاحظ ذوق ) وإشعارا بكلّ ذلك قال :
يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
كما يأتي .
ثانيا : قالوا في مجيء ( يتجرّعه ) من « التّفعّل » وجوها :
1 - إنّه للتّكلّف : أي يتجرّعه بكلفة جرعة بعد جرعة لمرارته وحرارته ونتنه واشمئزازه منه ، ومعنى التّكلّف أنّه يكابد الفعل عسى أن يظفر به ، مثل تشجّع ، أي كلّف نفسه الشّجاعة لتحصل .
2 - للاستمرار : جرعة جرعة قال الطّوسيّ : التّجرّع :
تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار .
3 - إنّه للمطاوعة كأنّ السّاقي يسقيه وهو ينفعل به فيتجرّع ، نظير : علّمه فتعلّم .
4 - بمعنى جرعه ، فالمجرّد والمزيد منه واحد ، نظير :
عدا الشّيء وتعدّاه .
5 - عن ابن عبّاس : يستمسك الصّديد في حلقه ، وهذا التّفسير للجملتين
يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
لا ل ( يتجرّعه ) خاصّة . فكأنّه مطاوعة ( يسقى ) من غير لفظه .
والمناسب للسّياق كما علمت هو الأوّل ، - أو هو مع الثّاني - ويساوقه :
وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
فإنّ الإساغة :
إجراء الشّراب في الحلق ، لكن هذا الشّارب يمسك الشّراب في حلقه لحظة لكراهته ، كما يتجرّع المريض دواء مرّا . ولاحظ كيف جمع اللّه في هذه الآية بين التّجرّع والإسغاء ، ولهما علاقة بالشّرب ، فأثبت التّجرّع ونفي الإسغاء .
ثمّ لاحظ كيف شدّد وأكّد كراهته للشّرب بقوله :
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ
أي أنّه في شربه الصّديد كأنّه يأتيه الموت من كلّ مكان ، أو يتمنّى الموت من كلّ مكان ، لكنّه لا يموت .
ثالثا : قالوا في محلّ إعراب ( يتجرّعه ) : إنّه جرّ صفة للماء في ( ماء صديد ) أو نصب حالا منه ، أي حال كونه يتجرّع الماء ، أو حال كون الماء كذلك ، أو استئناف جوابا لسؤال محذوف ، كأنّه قيل : فماذا يفعل بهذا الماء الصّديد ؟
فأجيب : يتجرّعه ، أي يتكلّف بشربه تكلّفا شديدا ، كما ذكر .
وعندنا أنّ الجملتين حالان من نائب الفاعل في
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
أي يسقى منه ، وهو يتجرّعه ولا يكاد يسيغه . وكذلك ما بعدهما .
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ . . .