ابن الأنباريّ : اختلف القرّاء فيها ، فمنهم من قرأها كلّها بالفتح ، ومنهم من قرأ ( لا رفث ولا فسوق ) بالرّفع ، وقرأ ( لا جدال ) بالفتح .
فأمّا من قرأها كلّها بالفتح ، جعل النّكرة مبنيّة مع ( لا ) كما قدّمنا في قوله تعالى :
لا رَيْبَ فِيهِ
البقرة : 2 ، و ( لا ) مع النّكرة فيها كلّها في موضع مبتدإ ، و ( في الحجّ ) الخبر عنها كلّها .
ومن قرأ ( لا رفث ولا فسوق ) بالرّفع ، ( ولا جدال ) بالفتح ، لم يبن الفكرة مع
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ
لمكان العطف ، ورفعها بالابتداء ، والخبر مقدّر ، وتقديره : ( في الحجّ ) . وبنى ( لا جدال ) على الفتح ، لأنّه أراد أن يفرّق بين الرّفث والفسوق ، وبين الجدال ، لأنّ المراد بقوله :
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ
لا ترفثوا ولا تفسقوا ، والمراد بقوله :
وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
أي لا شكّ في وقت الحجّ .
فعلى هذا يكون قوله : ( في الحجّ ) خبرا عن قوله :
( لا جدال ) فقط دون ما قبله لاختلافهما ؛ إذ لا يجوز الجمع بين خبرين في خبر واحد . ( 1 : 147 )
الفخر الرّازيّ : ذكر المفسّرون وجوها في هذا الجدل . [ ثمّ ذكر قول الحسن وابن كعب ومالك والقاسم ابن محمّد ، ثمّ قال : ]
وذلك أنّهم أمروا أن يجعلوا حساب الشّهور على رؤية الأهلّة ، وآخرون كانوا يجعلونه على العدد ، فبهذا السّبب كانوا يختلفون ، فبعضهم يقول : هذا اليوم يوم العيد ، وبعضهم يقول : بل غدا ، فاللّه تعالى نهاهم عن ذلك ، فكأنّه قيل لهم : قد بيّنّا لكم أنّ الأهلّة مواقيت للنّاس والحجّ ، فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه من غير هذه الجهة . [ ثمّ نقل قول القفّال وابن زيد وأضاف : ]
السّابع : [ بعد أن ذكر أقوالا ستّة في المراد فيها قال : ] أنّهم كانوا مختلفين في السّنين ، فقيل لهم : لا جدال في الحجّ ، فإنّ الزّمان استدار وعاد إلى ما كان عليه الحجّ في وقت إبراهيم عليه السّلام ، وهو المراد بقوله عليه الصّلاة والسّلام في حجّة الوداع : « ألا إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السّماوات والأرض » فهذا مجموع ما قاله المفسّرون في هذا الباب .
وذكر القاضي كلاما حسنا في هذا الموضع ، فقال :
« قوله تعالى :
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
يحتمل أن يكون خبرا ، وأن يكون نهيا ، كقوله :
لا رَيْبَ فِيهِ
البقرة : 2 ، أي لا ترتابوا فيه » .
وظاهر اللّفظ للخبر ، فإذا حملناه على الخبر كان معناه أنّ الحجّ لا يثبت مع واحدة من هذه الخلال بل يفسد لأنّه كالضّدّ لها ، وهي مانعة من صحّته . وعلى هذا الوجه لا يستقيم المعنى ، إلّا أن يراد بالرّفث الجماع المفسد للحجّ ، ويحمل الفسوق على الزّنا ، لأنّه يفسد الحجّ ، ويحمل الجدال على الشّكّ في الحجّ ووجوبه ، لأنّ ذلك يكون كفرا فلا يصحّ معه الحجّ .
وإنّما حملنا هذه الألفاظ الثّلاثة على هذه المعاني حتّى يصحّ خبر اللّه ، بأنّ هذه الأشياء لا توجد مع الحجّ .
فإن قيل : أليس أنّ مع هذه الأشياء يصير الحجّ فاسدا ، ويجب على صاحبه المضيّ فيه ، وإذا كان الحجّ باقيا معها لم يصدق الخبر ، بأنّ هذه الأشياء لا توجد مع الحجّ .
قلنا : المراد من الآية حصول المضادّة بين هذه