واستترف القوم : طغوا ، وفي الحديث أنّ « إبراهيم فرّ به من جبّار مترف » .
2 - قال ابن فارس : « في كتاب الخليل : الترفة : الهنة في الشّفة العليا ، وهذا غلط ، إنّما هي التّفرة » . فإن كان كما يقول فلهذه المادّة أصل واحد ، وإن كان بخلاف ذلك فلها أصلان ، باعتبار الترفة - أي الهنة في الشّفة العليا - أصل برأسه .
ولكن يؤخذ على ابن فارس أنّ « التّفرة » معنى مصرّح به ، وهو نقرة في وسط الشّفة العليا ، والترفة مكنّى عنه بلفظ هنة ناتئة فيها كما تقدّم . فليس « الترفة » تصحيف « التّفرة » كما ذهب إليه ، إذ هما لغتان ، مثل :
اللّصص والرّصص ، أي شدّة التصاق الأسنان ، وجذب الشّيء وجبذه : مدّه .
ولعلّ وجه اشتقاق الترفة - أي الهنة النّاتئة - من الترفة - أي المسقاة - هو شبهها بها ، بيد أنّ ابن فارس أراد أن يتفصّى من توجيه هذه العلقة بين المعنيين ، فذهب إلى هذا الرّأي ليستقيم له القياس في هذا الباب .
الاستعمال القرآنيّ
جاءت من هذه المادّة ثلاثة أفعال ، وخمسة أوصاف في ( 8 ) آيات :
1 -
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
المؤمنون : 33
2 -
لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ
وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ
الأنبياء : 13
3 -
فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ
هود : 116 .
4 -
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
سبأ : 34
5 -
وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
الزّخرف : 23
6 -
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
الإسراء : 16
7 -
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ
المؤمنون : 64
8 -
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ
الواقعة : 45
يلاحظ أوّلا : أنّ الفعل « أترفناهم » في ( 1 ) معلوم ، فاعله اللّه ، وفي ( 2 ) و ( 3 ) مجهول ، وكذلك الوصف في الباقي ، اسم مفعول ، والفاعل فيها هو اللّه الّذي يوسّع على عباده بالنّعم ، ولا جناح عليه ، فإنّ النّعم مظاهر رحمته الواسعة الّتي يفيدها وصف ( الرّحمن ) ، إلّا أنّ النّاس هم الّذين يسيؤون الانقطاع بها ، فيبدّلون النّعمة نقمة ، والرّحمة ترفا ، فيوصفون بالمترفين . وبعبارة أخرى : النّعمة من اللّه خير ، والشّرّ من قبل النّاس ، نعم ، قد تكون النّعمة ابتلاء للنّاس ، وخذلانا لهم ، فيسند الإتراف حينئذ إلى اللّه ، لأنّه منعم النّعم الّتي تصير سبب