فَتَبَيَّنُوا . . .
كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
النّساء : 94
15 -
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
الحجرات : 6
يلاحظ أوّلا : أنّه قد جاء في بعض النّصوص اللّغويّة أنّ « تبيّن » بمعنى « بان » ، إلّا أنّ بعضهم كالكسائيّ قال :
التّبيّن : التّثبّت والتّأمّل . وهذا هو مقتضى صيغة « التّفعّل » ، فإنّه العمل بجهد ومشقّة وتكلّف وتأكّد ، كما في الفرق بين الكسب والتّكسّب . فالتّبيّن ليس مطلق الوضوح والظّهور ، بل ظهور الشّيء بجهد بعد الخفاء .
وهذا هو الّذي يظهر من جميع الآيات ، ففي عدّة منها
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ ، *
أي أنّه كان خافيا ثمّ ظهر .
فلاحظ قوله في ( 2 ) :
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ،
فإنّه يحكي عن أنّ الدّين كان مستترا لا طريق إليه ، ثمّ تبيّن رشده من غيّه ، وقوله في ( 13 ) :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ،
فإنّه يحكي أنّ الفجر كان مستترا ، ثمّ بان بجهد كبير .
فالمعنى في جميع الآيات ظهور الحقّ بعد خفائه بعناء ومشقّة ، دون مطلق الوضوح والظّهور .
ثانيا : استصعب الأمر على كثير من المفسّرين في قوله حول النّبيّ الّذي شكّ في إحياء الموتى
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ،
كيف لم يعلم عموم قدرته حتّى اختبر كيفيّة إحيائها بما أراه اللّه ؟
وقد أجهد الطّباطبائيّ نفسه ببيان أنّه لم يكن شاكّا ، بل كان عالما بقدرة اللّه ، ثمّ اختلج في نفسه ما ينافيه ، فلمّا رأى ما رأى رجع إلى علمه الأوّل ، قال : « وليس معنى الكلام أنّه لمّا تبيّن له الأمر حصل له العلم ، وقد كان شاكّا قبل ذلك ، فقال :
أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ . . .
لأنّ الرّجل كان نبيّا مكلّما ، وساحة الأنبياء منزّه من الجهل باللّه ، وخاصّة في مثل صفة القدرة الّتي هي من صفات الذّات . . . » .
والحقّ ما قاله غير واحد منهم أنّه علم إحياء الموتى عيانا بعد ما كان يؤمن به قلبا ، وليس في هذا شين على الأنبياء . ويشهد به ما بعدها في شأن إبراهيم عليه السّلام :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . . .
البقرة : 260 ، فإنّ إبراهيم شيخ الأنبياء جرّب إحياء الموتى عيانا ، ليطمئنّ قلبه بعد ما آمن به .
ثالثا : جاء ( تبيّن ) في الآيات ( 1 ) إلى ( 13 ) فعلا لازما ، وفاعله ( الحقّ ) ، و ( الهدى ) ، و ( الرّشد ) في كثير منها ، وفي ( 6 ) :
أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ،
وفي ( 10 ) :
أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ،
وفي ( 11 ) :
كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ ،
وفي ( 12 ) :
مِنْ مَساكِنِهِمْ ،
وفي ( 13 ) :
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ .
والجميع دالّ على تبيّن ذلك بعد الخفاء بشيء من الجهد والعناء .
وقد جاءت في ( 14 ) و ( 15 ) بصيغة فعل الأمر ثلاث مرّات ، والفاعل فيها الأشخاص دون الأشياء وبهذا اختلف سياق الآيتين عمّا قبلهما من الآيات . فقد أمر المؤمنون فيها بالتّبيّن ، أي طلب البيان ، وهو التّثبّت ، أي طلب الثّبات . وإن لم يذكر مفعول الفعل فيها ، إلّا أنّه في معنى المتعدّي ، إذ أخذ فيه مفهوم الطّلب ، ومفعوله البيان