خلاف الإقدام ، والمراد به الثّاني وهو أشدّ اختصاصا بهذا الموضع ، ويبيّن ذلك قوله :
( وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً )
النّساء : 66 ، أي أشدّ وقفا لهم عمّا وعظوا بأن لا يقدموا عليه .
ومن قرأ
( فَتَبَيَّنُوا )
فحجّته أنّ الّتبيّن قد يكون أشدّ من التّثبّت ، وقد جاء « الّتبيّن من اللّه والعجلة من الشّيطان » فمقابلة التّبيّن بالعجلة دلالة على تقارب التّثبّت والتّبيّن . ( 2 : 94 )
أي ميّزوا بين الكافر والمؤمن ؛ وبالثّاء والتّاء : توقّفوا وتأنّوا حتّى تعلموا من يستحقّ القتل ، والمعنيان متقاربان ، والمراد بهما لا تعجلوا في القتل لمن أظهر السّلام ظنّا منكم بأنّه لا حقيقة لذلك . [ إلى أن قال : ]
أعاد هذا اللّفظ للتّأكيد بعد ما طال الكلام . وقيل :
الأوّل : معناه تبيّنوا حاله . والثّاني : معناه تبيّنوا هذه الفوائد بضمائر ، واعرفوها وابتغوها . ( 2 : 95 )
نحوه الفخر الرّازيّ . ( 11 : 2 )
أبو السّعود :
( فَتَبَيَّنُوا )
بالفاء ، أي فاطلبوا بيان الأمر في كلّ ما تأتون وما تذرون ، ولا تعجلوا فيه بغير تدبّر ورويّة . وقرئ ( فتثبّتوا ) أي اطلبوا إثباته . [ إلى أن قال : ]
والفاء في قوله تعالى :
( فَتَبَيَّنُوا )
فصيحة ، أي إذا كان الأمر كذلك فاطلبوا بيان هذا الأمر البيّن ، وقيسوا حاله بحالكم ، وافعلوا به ما فعل بكم في أوائل أموركم من قبول ظاهر الحال ، من غير وقوف على تواطؤ الظّاهر والباطن .
( 2 : 181 )
البروسويّ : ( فتبيّنوا ) عن حال المريدين ، وتثبّتوا في الرّدّ والقبول . . .
( فتبيّنوا ) أن تردّوا صادقا اهتماما لرزقه ، أو تقبلوا كاذبا حرصا على تكثير المريدين . ( 2 : 265 )
الآلوسيّ : أي فاطلبوا بيان الأمر في كلّ ما تأتون وتذرون ، ولا تعملوا فيه من غير تدبّر ورويّة .
وقرأ حمزة وعليّ وخلف ( فتثبّتوا ) أي فاطلبوا ثبات الأمر ولا تعجلوا فيه . والمعنيان متقاربان ، وصيغة « التّفعيل » « 1 » بمعنى الاستقبال ، ودخلت الفاء لما في ( إذا ) من معنى الشّرط ، كأنّه قيل : إن غزوتم ( فتبيّنوا ) . [ إلى أن قال : ]
( فتبيّنوا ) هذا الأمر ولا تعجلوا وتدبّروا ، ليظهر لكم أنّ ظاهر الحال كاف في الإيمان العاصم ؛ حيث كفى فيكم من قبل .
وأخّر هذا التّعليل - على ما قيل - لما فيه من نوع تفصيل ، ربّما يخلّ تقديمه بتجاوب أطراف النّظم الكريم ، مع ما فيه من مراعاة المقارنة بين التّعليل السّابق وبين ما علّل به .
أو لأنّ في تقديم الأوّل إشارة ما إلى ميل القوم نحو ذلك العرض ، وأنّ سرورهم به أقوى ، ففي تقديمه تعجيل لمسرّتهم ، وفيه نوع حطّ عليهم - رفع اللّه تعالى قدرهم ورضي المولى عزّ شأنه عنهم - أو لأنّه أوضح في التّعليل من التّعليل الأخير وأسبق للذّهن منه .
ولعلّه لم يعطف أحد التّعليلين على الآخر ، لئلّا يتوهّم أنّهما تعليلا شيء واحد ، أو أنّ مجموعهما علّة .
وقيل : موافقة لما علّل بهما من القيد والمقيّد حيث لم يتمايزا بالعطف .
هامش
( 1 ) كذا ، والظّاهر التّفعّل .