بذلك ، ومن جملته أحوال الأمم مع أنبيائهم عليهم السّلام ، وكذا ما أخبرت به هذه الآية من بعث الشّهداء وبعثه عليه الصّلاة والسّلام .
فانتظام الآية بما قبلها ظاهر ، والدّليل على تقدير الوصف المخصّص للشّيء المقام ، وأنّ بعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام إنّما هي لبيان الدّين ، ولذا أجيب السّؤال عن الأهلّة بما أجيب ، وقال صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم :
« أنتم أعلم بأمور دنياكم » ، وكون الكتاب تبيانا لذلك باعتبار أنّ فيه نصّا على البعض ، وإحالة للبعض الآخر على السّنّة . [ ثمّ نقل كلام الزّمخشريّ وأضاف : ]
وقال بعض : ( كلّ ) للتّكثير والتّفخيم ، كما في قوله تعالى :
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها
الأحقاف : 25 ، إذ يأبى الإحاطة والتّعميم ما في التّبيان من المبالغة في البيان ، وأنّ من أمور الدّين تخصيصا لا يقتضيه المقام .
وردّ الثّاني بما سمعت آنفا ، والأوّل بأنّ المبالغة بحسب الكمّيّة لا الكيفيّة ، كما قيل في قوله تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
فصّلت : 46 ، إنّه من قولك : فلان ظالم لعبده وظلّام لعبيده ، ومنه قوله سبحانه :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
البقرة : 270 .
وقال بعضهم : لكلّ من القولين وجهة ، والمرجّح للأوّل إبقاء ( كلّ ) على حقيقتها في الجملة ، وتعقّب بأنّه يرجّح الثّاني إبقاء ( شئ ) على العموم ، وسلامته من التّقدير الّذي هو خلاف الأصل ، ومن المجاز على قول .
نعم ذهب أكثر المفسّرين إلى اعتبار التّخصيص ، وروي ذلك عن مجاهد .
وقال الجلال المحلّي في الرّدّ على من لم يجوّز تخصيص السّنّة بالكتاب : إنّه يدلّ على الجواز قوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
وإن خصّ من عمومه ما خصّ بغير القرآن ، وتوجيه كونه تبيانا لكلّ ما يتعلّق بالدّين بما تقدّم ، هو الّذي يقتضيه كلام غير واحد من الأجلّة . [ إلى أن قال : ]
وذهب بعضهم إلى ما يقتضيه ظاهر الآية غير قائل بالتّخصيص ، ولا بأنّ ( كلّ ) للتّكثير ، فقال : ما من شيء من أمر الدّين والدّنيا إلّا يمكن استخراجه من القرآن ، وقد بيّن فيه كلّ شيء بيانا بليغا ، واعتبر في ذلك مراتب النّاس في الفهم ، فربّ شيء يكون بيانا بليغا لقوم ، ولا يكون كذلك لآخرين ، بل قد يكون بيانا لواحد ولا يكون بيانا لآخر ، فضلا عن كون البيان بليغا أو غير بليغ ، وليس هذا إلّا لتفاوت قوى البصائر . ونظير ذلك اختلاف مراتب الإحساس لتفاوت قوى الإبصار .
وقيل : معنى كونه تبيانا أنّه كذلك في نفسه ، وهو لا يستدعي وجود مبيّن له ، فضلا عن تشارك الجميع في تحقّق هذا الوصف بالنّسبة إليهم ؛ بأن يفهموا حال كلّ شيء منه على أتمّ وجه . ونظير ذلك الشّمس فإنّها منيرة في حدّ ذاتها ، وإن لم يكن هناك مستنير أو ناظر ، ويغني عن هذا الاعتبار اعتبار أنّ المبالغة بحسب الكمّيّة لا الكيفيّة .
ويؤيّد القول بالظّاهر أنّ الشّيخ الأكبر قدّس سرّه وغيره قد استخرجوا منه ما لا يحصى من الحوادث الكونيّة ، وقد رأيت جدولا حرفيّا منسوبا إلى الشّيخ كتب عليه : أنّه يعرف منه حوادث أهل المحشر ، وآخر كتب عليه : أنّه يعرف منه حوادث أهل الجنّة ، وآخر