كانت قائمة بمن أتى به منهم كقيامها بنفسه الشّريفة ، لم يكن لإتيانه بهم وجه . فإتيانه بهم من جهة انحصار من هو قائم بدعواه من الأبناء والنّساء والأنفس بهم ، لا من جهة الإتيان بالأنموذج ، فقد صحّ أنّ الدّعوى كانت قائمة بهم كما كانت قائمة به .
ثمّ إنّ النّصارى إنّما قصدوه صلّى اللّه عليه وآله لا لمجرّد أنّه كان يرى أنّ عيسى بن مريم عليه السّلام عبد اللّه ورسوله ويعتقد ذلك ، بل لأنّه كان يدّعيه ويدعوهم إليه ؛ فالدّعوة هي السّبب العمدة الّتي بعثهم على الوفود والمحاجّة . فحضوره وحضور من حضر معه للمباهلة لمكان الدّعوى والدّعوة معا ، فقد كانوا شركاءه في الدّعوة الدّينيّة كما شاركوه في الدّعوى ، كما ذكرناه .
فإن قلت : هب إنّ إتيانه بهم لكونهم منه ، وانحصار هذا الوصف بهم لكنّ الظّاهر - كما تعطيه العادة الجارية - أنّ إحضار الإنسان أحبّائه وأفلاذ كبده من النّساء والصّبيان في المخاطر والمهاول دليل على وثوقه بالسّلامة والعافية والوقاية ، فلا يدلّ إتيانه صلّى اللّه عليه وآله بهم على أزيد من ذلك ، وأمّا كونهم شركاء في الدّعوة ، فهو بمعزل عن أن يدلّ عليه فعله .
قلت : نعم صدر الآية لا يدلّ على أزيد ممّا ذكر ، لكنّك قد عرفت أنّ ذيلها ، أعني قوله :
عَلَى الْكاذِبِينَ ،
يدلّ على تحقّق كاذبين في أحد طرفي المحاجّة والمباهلة ألبتّة ، ولا يتمّ ذلك إلّا بأن يكون في كلّ واحد من الطّرفين جماعة صاحبة دعوى إمّا صادقة أو كاذبة ، فالّذين أتى بهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله مشاركون معه في الدّعوى وفي الدّعوة كما تقدّم ، فقد ثبت أنّ الحاضرين كانوا بأجمعهم صاحبي دعوى ودعوة معه صلّى اللّه عليه وآله ، وشركاء في ذلك .
فإن قلت : لازم ما ذكرته كونهم شركاء في النّبوّة .
قلت : كلّا فقد تبيّن « 1 » فيما أسلفناه من مباحث النّبوّة أنّ « الدّعوة والتّبليغ » ليسا بعين النّبوّة والبعثة وإن كانا من شؤونها ولوازمها ، ومن المناصب والمقامات الإلهيّة الّتي يتقلّدها ، وكذا تبيّن ممّا تقدّم « 2 » من مبحث الإمامة أيضا أنّهما ليسا بعين الإمامة وإن كانا من لوازمها بوجه .
( 3 : 223 )
مكارم الشّيرازيّ : « المباهلة » من البهل ، بمعنى التّرك ورفع القيد . ومن ذلك كانت « الباهل » هي النّاقة المخلّى ضرعها مكشوفا ، يرضع منه وليدها كيفما شاء .
والابتهال في الدّعاء : الاسترسال فيه ، والتّضرّع إلى اللّه . أمّا تفسير الابتهال باللّعن والموت والبعد عن اللّه ، فذلك لأنّ هذه الأمور من نتائج ترك اللّه العبد وشأنه .
هذا هو معنى « المباهلة » من حيث أصلها .
أمّا المفهوم المستفاد من الآية فهو تبادل اللّعن ؛ وذلك بأن يجتمع المتجادلون في أمر دينيّ في مكان مّا ويتضرّعون إلى اللّه أن يفضح الكاذب ، وينزل عقابه به .
في هذه الآية يخاطب اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وآله قائلا : إذا استمرّ أحد في مجادلتك بعد هذه الاستدلالات البيّنة بشأن عيسى ، فادعه إلى المباهلة حتّى يأتي بأبنائه ونسائه ، وادع أنت أيضا أبناءك ونساءك ، وتضرّعوا إلى
هامش
( 1 ) في تفسير آية ( 213 ) من سورة البقرة من المجلّد الثّاني .
( 2 ) في تفسير آية ( 124 ) من سورة البقرة من المجلّد الأوّل .