قال : ]
هذه الآية من أعلام نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّه دعاهم إلى المباهلة ، فأبوا منها ورضوا بالجزية ، بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب أنّهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا ، فإنّ محمّدا نبيّ مرسل ، ولقد تعلمون أنّه جاءكم بالفصل في أمر عيسى .
فتركوا المباهلة وانصرفوا إلى بلادهم ، على أن يؤدّوا في كلّ عام ألف حلّة في صفر وألف حلّة في رجب ، فصالحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك بدلا من الإسلام .
قال كثير من العلماء : إنّ قوله عليه السّلام في الحسن والحسين عليهما السّلام لمّا باهل :
نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ
وقوله في الحسن : « إنّ ابني هذا سيّد » مخصوص بالحسن والحسين أن يسمّيا ابني النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دون غيرهما ، لقوله عليه السّلام : « كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا نسبي وسببي » ، ولهذا قال بعض أصحاب الشّافعيّ فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن وولد ابنة : إنّ الوصيّة لولد الابن دون ولد الابنة ؛ وهو قول الشّافعيّ . ( 4 : 104 )
أبو حيّان : أي يدعو كلّ منّي ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة ، وظاهر هذا أنّ الدّعاء والمباهلة بين المخاطب ب ( قل ) وبين من حاجّه . وفسّر على هذا الوجه « الأبناء » بالحسن والحسين ، وب « نسائه » فاطمة ، و « الأنفس » بعليّ .
قال الشّعبيّ : ويدلّ على أنّ ذلك مختصّ بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مع من حاجّه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث سعد ابن أبي وقّاص ، قال : لمّا نزلت هذه الآية :
تَعالَوْا نَدْعُ
أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ . . .
دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاطمة وحسنا وحسينا ، فقال : « اللّهمّ هؤلاء أهلي » .
وقال قوم : المباهلة كانت عليه وعلى المسلمين ، بدليل ظاهر قوله :
نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ
على الجمع ، ولمّا دعاهم دعا بأهله الّذين في حوزته . ولو عزم نصارى نجران على المباهلة وجاؤوا لها ، لأمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين أن يخرجوا بأهاليهم لمباهلته .
وقيل : المراد ب
( أَنْفُسَنا )
: الإخوان ، قاله ابن قتيبة ، قال تعالى :
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
الحجرات : 11 ، أي إخوانكم .
وقيل : أهل دينه ، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ . وقيل :
الأزواج .
وقيل : أراد القرابة القريبة ، ذكرهما عليّ بن أحمد النّيسابوريّ . [ إلى أن قال : ]
وقد طوّل المفسّرون بما رووا في قصّة المباهلة ومضمونها أنّه دعاهم إلى المباهلة ، وخرج بالحسن والحسين وفاطمة وعليّ إلى الميعاد ، وأنّهم كفّوا عن ذلك ورضوا بالإقامة على دينهم وأن يؤدّوا الجزية ، وأخبرهم أحبارهم أنّهم إن باهلوا عذّبوا . وأخبر هو صلّى اللّه عليه وسلّم أنّهم إن باهلوا عذّبوا .
وفي ترك النّصارى الملاعنة لعلمهم بنبوّته شاهد عظيم على صحّة نبوّته . [ إلى أن قال : ]
وفي الآية دليل على المظاهرة بطريق الإعجاز ، على من يدّعي الباطل بعد وضوح البرهان بطريق القياس .
[ ثمّ قال مطالب يأتي في « ن ف س » ، إلى أن قال : ]