لا ينزل العذاب ، فحينئذ كان يظهر كذبه فيما أخبر .
ومعلوم أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله كان من أعقل النّاس ، فلا يليق به أن يعمل عملا يفضي إلى ظهور كذبه ، فلمّا أصرّ على ذلك ، علمنا أنّه إنّما أصرّ عليه لكونه واثقا بنزول العذاب عليهم .
وثانيهما : إنّ القوم لمّا تركوا مباهلته ، فلو لا أنّهم عرفوا من التّوراة والإنجيل ما يدلّ على نبوّته ، وإلّا لما أحجموا عن مباهلته .
فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنّهم كانوا شاكّين ، فتركوا مباهلته خوفا من أن يكون صادقا ، فينزل بهم ما ذكر من العذاب ؟
قلنا : هذا مدفوع من وجهين :
الأوّل : أنّ القوم كانوا يبذلون النّفوس والأموال في المنازعة مع الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، ولو كانوا شاكّين لما فعلوا ذلك .
الثّاني : إنّه قد نقل عن أولئك النّصارى أنّهم قالوا :
إنّه واللّه هو النّبيّ المبشّر به في التّوراة والإنجيل ، وإنّكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال ، فكان ذلك تصريحا منهم بأنّ الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنّه نبيّ مرسل من عند اللّه تعالى .
السّؤال الثّالث : أليس أنّ بعض الكفّار اشتغلوا بالمباهلة مع محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ حيث قالوا :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
الأنفال : 32 ، ثمّ إنّه لم ينزل العذاب بهم ألبتّة ، فكذا هاهنا ، وأيضا فبتقدير نزول العذاب ، كان ذلك مناقضا لقوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ؟
الأنفال : 33 .
والجواب : الخاصّ مقدّم على العامّ ، فلمّا أخبر عليه السّلام بنزول العذاب في هذه السّورة على التّعيين ، وجب أن يعتقد أنّ الأمر كذلك .
[ ثمّ ذكر السّؤال الرّابع في اتّصال قوله
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ
آل عمران : 62 بما قبله فلاحظ ]
( 8 : 85 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 3 : 212 )
ابن عربيّ : إنّ لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما ، سببه اتّصال نفوسهم بروح القدس ، وتأييد اللّه إيّاهم به ، وهو المؤثّر بإذن اللّه في العالم العنصريّ ، فيكون انفعال العالم العنصريّ منه كانفعال بدننا من روحنا ، بالهيئات الواردة عليه ، كالغضب ، والحزن ، والفكر في أحوال المعشوق ، وغير ذلك من تحرّك الأعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم ، وانفعال النّفوس البشريّة منه كانفعال حواسّنا ، وسائر قوانا من هيئات أرواحنا .
فإذا اتّصل نفس قدسيّ به أو ببعض أرواح الأجرام السّماويّة والنّفوس الملكوتيّة ، كان تأثيرها في العالم عند التّوجّه الاتّصاليّ تأثير ما يتّصل به ، فتنفعل أجرام العناصر والنّفوس النّاقصة الإنسانيّة منه بما أراد . ألم تر كيف انفعلت نفوس النّصارى من نفسه عليه السّلام بالخوف ، وأحجمت عن المباهلة وطلبت الموادعة ، بقبول الجزية !
( 1 : 193 )
القرطبيّ :
( أَبْناءَنا )
دليل على أنّ أبناء البنات يسمّون أبناء ؛ وذلك أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جاء بالحسن والحسين ، وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها ، وهو يقول لهم : « إن أنا دعوت فأمّنوا » وهو معنى قوله :
ثُمَّ نَبْتَهِلْ .
[ إلى أن