يعبّر بهما عن كلّ الألوان ، لأنّهما طرفاها والباقي متوسّط بينهما ، ومزيج منهما بتقادير محدودة ونسب معيّنة .
ويقول المثل الفارسيّ : « از سفيدي نمك تا سياهى زغال » : « يعني من بياض الملح إلى سواد الفحم » ، أي من كلّ لون من الألوان ، ومن كلّ شيء .
3 -
غَرابِيبُ سُودٌ ،
أي شديدة السّواد ، فإنّها جمع « غربيب » كعفريت ، يقال : أسود غربيب ، أي شديد السّواد ، يشبه لونه لون الغراب . وهذا إمّا عطف على ( بيض ) ، فالمعنى أنّ الجبال ذات جدد بيض وحمر وسود ، فهو داخل في مختلف ألوانها . أو عطف على ( جدد ) ، فلا يكون داخلا في تفاصيل ( جدد ) ، بل يكون قسيمها ، كأنّه قيل : ومن الجبال مخطّط ذو جدد بيض وحمر وما بينهما من الألوان ، ومنها ما هو على لون واحد شديد السّواد ، فيكون وصفا للجبال نفسها لا للجدد الواقعة فيها ، وهذا بعيد كما يأتي .
4 - ما هو السّرّ في توسّط
« مُخْتَلِفاً أَلْوانُها »
بين ( البيض والحمر ) وبين
« غَرابِيبُ سُودٌ »
، مع أنّ سوق الكلام يقتضي تقديمه على الجميع أو تأخيره عنها ؟
كقوله :
ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها ،
في صدر الآية و
مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
في آية بعدها ؟
والجواب : بناء على كون
( غَرابِيبُ سُودٌ )
عطفا على ( بيض ) ، فيشملها
( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها )
، والوجه في تأخيرها رعاية الرّويّ مهما أمكن ، فالرّويّ في آيات قبلها ( النّور ) ، ( الحرور ) ، ( القبور ) ، ( نذير ) ، ( المنير ) ، ( نكير ) ، وبعدها ( غفور ) ، ( تبور ) ، ( شكور ) ، ( بصير ) . . . ومثله كثير في القرآن .
أمّا بناء على عطفها على ( جدد ) فيفيد أنّ السّواد لون واحد ، والبياض والحمار فلهما مراتب ، فتتشعّب منهما ألوان مختلفة ، ولكنّه بعيد ؛ إذ ( غرابيب سود ) نفسها تشعر باختلاف مراتب السّواد ، فالأوّل أقرب .
5 - إنّ اللّه تعالى ركّز في هذه الآيات اختلاف ألوان الجبال والثّمرات والنّاس والذّوات والأنعام ، كما ركّز اختلاف ألسنة النّاس وألوانهم في ( الرّوم : 23 ) ، واختلاف ألوان الشّراب الّذي يخرج من بطون النّحل في ( النّحل : 13 ) ، واختلاف ألوان ما يخرج من الأرض في ( الزّمر : 21 ) ، و ( النّحل : 13 ) ، برهانا على عظم قدرة اللّه ، لأنّ اختلافها مع وحدة طبيعتها يحكي نفوذ إرادة اللّه فيها . أو هو تركيز لأسرارها الخفيّة الّتي لمّا تنكشف للنّاس ، لاحظ آيات اختلاف اللّيل والنّهار واختلاف الألسنة ونحوها . ويصرّح بذلك قوله :
صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ
الرّعد : 4 ، لاحظ « خ ل ف » .
رابعا : جاء الاسم « بيض » مرّة في ( 12 ) ، وهو جمع مفرده « بيضة » ، أو اسم جنس واحده « بيضة » ، وفيه بحوث :
1 - اختلف الأقوال في المراد به وفي وجه الشّبه ، ومهما كان فلا بدّ من مناسبته لما قبله في هذه الآية والآيات قبلها ، فهي وصف لما عند عباد اللّه المخلصين في جنّات النّعيم من رغد العيش وخصب الحياة . ومنها : أنّ عندهم أزواجا آنسات ( قاصرات الطّرف ) ، وهي كناية إمّا عن عفّتهنّ ، فإنّهنّ يقصرن طرفهنّ على أزواجهنّ ، ولا ينظرن إلى غيرهم . أو عن نجابتهنّ وحيائهنّ ، فلا يفتحن أعينهنّ دلالا وغنجا وفتنة ، بل يغضضنها