وكذلك ( 4 ) ، فقد ظنّ الأعداء أنّ النّبيّ والمؤمنين سوف يقتلون ولا ينقلبون وهم في طريقهم إلى مكّة ، ولكنّهم أخطأوا في ظنّهم وخسروا ، وكسدت تمنّيّاتهم السّيّئة ولم توجد . فوقع الصّلح وكان فتحا مبينا ، ورجع المؤمنون إلى المدينة سالمين غانمين .
وأيّ غنيمة أعظم من الصّلح الّذي عقد بين جماعة المؤمنين وبين قريش ، وهم ألدّ أعدائهم الّذين شنّوا الحرب من ذي قبل على النّبيّ ومن معه مرارا وتكرارا .
وقد أطفئت نائرة الحرب بهذا الصّلح ، وحلّ مكانها الهدوء والطّمأنينة الّتي أعقبت اعتناق خلق كثير منهم الدّين الحنيف .
خامسا : تبديل الوصف ( بورا ) في الآيتين ( 3 ) و ( 4 ) من الفعل ( تبور ) و ( يبور ) في ( 1 ) و ( 2 ) بسياق واحد :
وَكانُوا قَوْماً بُوراً ،
وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ،
للدّوام والاستمرار ، أي أنّهم أصبحوا قوما خاسرين كاسدين فاسدين ، لا يزالوا كذلك إلى آخر حياتهم ، بل إلى أبد الآبدين في الدّنيا والآخرة .
سادسا : وهذا المعنى بعينه سار في ( 5 ) ، فإنّ الّذين أوتوا نعمة اللّه يتوقّع انتفاعهم بها وإحلالهم قومهم دار الفلاح والنّجاح ، ولكنّهم بدّلوا نعمة اللّه كفرا ، وأحلّوا قومهم دار البوار ، وهي دار الخسران . وهذا السّياق بما فيه من ألفاظ ( احلّوا ) و ( قومهم ) و ( دار البوار ) ، بالغ في الدّمار والشّمول .
سابعا : قد برز وتجلّى التّرتيب الطّبيعيّ بين الآيات ، فبدأت بالفعل كحادثة في ( 1 ) و ( 2 ) ، ثمّ انقلب الفعل إلى الوصف الدّائم الشّامل للقوم في ( 3 ) و ( 4 ) . ثمّ تجاوز حدّ الوصف وانتهى إلى الإحلال لدار البوار ، وهي مفسّرة بعدها بقوله :
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ
إبراهيم :
29 ، فكرّر كلّ من الفعل والوصف مرّتين ، واجتمعت في واحدة .
ثامنا : الآيات كلّها مكّيّة سوى واحدة ، وهي آية الفتح ( 4 ) ، وسياقها ذمّ للمشركين . وبدأت بالخير وانتهت إلى الشّرّ ، ليتحقّق معنى الخسران والكساد . أمّا آية الفتح المدنيّة المتأخّرة نزولا - طبعا - عنها ، فليس فيها ذكر الخير ، لوضوح معنى الخسران فيها ممّا تقدّمتها من الآيات ، إلّا أنّها مسبوقة في القرآن أيضا بآية النّعمة
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ . . .
إبراهيم : 27 .