وحجّة ناطقة ، وبيّنة واضحة . . .
ثالثا : أمّا الآية الثّانية فقد اختلفت كلمات المفسّرين فيها حول لفظ ( بصيرة ) ومعناها ، فمنهم من جعلها اسما بنفس معناها في الآية الأولى ، وهو المعرفة الحقّة ، وجعل حملها على الإنسان من قبيل : زيد عدل ، مبالغة . ومنهم من جعل الإسناد مجازيّا ، أي الإنسان ذو بصيرة على نفسه . وكثير منهم جعلها وصفا ، أي إنّ الإنسان شاهد على نفسه ، أو بصير بحاله ، وبعيوب نفسه إذا رجع إليها .
فالآية سياقها سياق قوله تعالى :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
الإسراء : 14 .
وهؤلاء وجّهوا تاء « البصيرة » تارة بأنّها للمبالغة كالعلّامة والنّسّابة ، وهذا مبنيّ على مجيء « فعيلة » صفة مبالغة ، وهو غير ثابت . وأخرى بأنّها نعت لاسم مؤنّث محذوف ، والتّقدير : بل الإنسان على نفسه عين بصيرة .
وثالثة بأنّها وصف لجوارحه ، فوضع الإنسان مكان جوارحه .
وعلى هذا فالآية سياقها سياق قوله تعالى :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
النّور : 24 . وكلاهما بعيد عن السّياق جدّا ، ولا يساوقهما قوله :
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ .
ولنا رأي جديد نعرضه لمن يتأمّله ، وهو أنّ التّاء هنا ليست للتّأنيث حتّى نلجأ إلى توجيهها بما ذكر ، بل هي زائدة ، جاءت رعاية للفواصل بعدها ، فكلّها بالهاء إلى الآية ( 25 ) ، وليس هذا غريبا في القرآن ، فقد سبق في « إلياس » أن قلنا في
سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ
الصّافّات : 130 ، إنّه إلياس ، جاء « إلياسين » رعاية للرّويّ ، كما جاء
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ
القارعة :
10 ، بزيادة الهاء للرّويّ أيضا .
والصّواب كونها وصفا خبرا للإنسان ، أريد بها أنّ الإنسان بصير بنفسه وبعيوبها وميولها ، فهو القاضي في حقّ نفسه بنفسه . ولكن يشترط أن لا يتشبّث بالمعاذير تحريفا للحقيقة .
ولهم في تركيب الآية آراء غير مقبولة ، فلاحظ .
ب - البصائر : ( 5 ) مرّات :
1 -
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ * وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
الأنعام : 104 ، 105
2 -
قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
الأعراف : 203
3 -
هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
الجاثية : 20
4 -
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً * قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً
الإسراء : 101 ، 102
5 -
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
القصص : 43
يلاحظ أوّلا : أنّ هذه الآيات كآيتي البصيرة كلّها