الوجوه والنّظائر
الدّامغانيّ : البراح على وجهين : الزّوال ، الانتقال .
فوجه منها : لا أبرح : لا أزال ، قوله :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ
الكهف : 60 ، يعني لا أزال أطلبه ( حتّى أبلغ ) كقوله :
لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ
طه : 91 ، يعنون لا نزال عاكفين على عبادته .
والوجه الثّاني : البراح : الانتقال ، قوله :
فَلَنْ أَبْرَحَ
يوسف : 80 ، يعني لا أرجع من مصر
حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي .
( 174 )
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة « البراح » وهو المتّسع من الأرض ، لا بناء فيها ولا عمران ، ثمّ استعمل في ما يعني الظّهور والبيان ، يقال : صار الرّجل في براح ، أي في أمر منكشف ، وجاء الكفر براحا ، أي بيّنا ، وبرح الخفاء ، أي ظهر وصار كأنّه في براح . ومنه أيضا : لقيته صرحة برحة ، أي لقيته ظاهرا باديا .
والبراح : المكاشفة ، يقال : بارح براحا . والبراح :
الشّمس ، وهي بهذا المعنى أيضا ، لأنّها تكشف الظّلام وتزيله ، وتظهر الأشياء واضحة . وبرح مكانه ، أي زال عنه وصار في البراح ، كذا تبرّح أيضا .
والبارح : خلاف السّانح من الظّباء والطّير ، وهو ما تبدو منه ميامنه ، فلا يمكن الصّائد إلّا أن ينحرف له .
والعرب يتطيّرون منه ، يقال : برح الظّبي بروحا .
والبارحة : اللّيلة الماضية ، وهي من برح ، أي زال ، وفي المثل : « ما أشبه اللّيلة بالبارحة » ! للشّيء ينتظره خيرا من شيء ، فيجيء مثله .
2 - واشتقّ من « البراح » الشّدّة وما يضارعها أيضا ، لما في « البراح » من شظف وضنك ، كما أسند ذلك إلى اليهماء أي الفلاة ، فيقال : سنة يهماء ، أي شديدة لا فرج فيها ، وسنون يهم : لا كلأ فيها ولا ماء ولا شجر .
ولذا قيل : برّح بنا فلان تبريحا ، أي آذانا بإلحاح المشقّة ، وبرّح بي هذا الأمر ، إذا غلظ واشتدّ . وأبرحت بفلان ، أي حملته على ما لا يطيق ، فتبرّح به وغمّه ، وضربه ضربا مبرّحا : شديدا ، ولقيت منه بنات برح وبني برح ، أي داهية وشدّة ، ولقيت منه ابن بريح ، أي تعب ، وجاء بالبرحين ، أي بالدّاهية .
والبرحاء : الحمّى الشّديدة ، والشّدّة والمشقّة ، يقال : جاء بالبرحاء ، أي جاء بالدّاهية . والتّباريح : كلف المعيشة في مشقّة ، والبارح : الرّيح الشّديدة الّتي تهيج الغبار . ويقال في التّفضيل : هذا الأمر أبرح عليّ من ذاك ، أي أشقّ وأشدّ .
3 - وأمّا قولهم : ما أبرحه ، أي ما أعجبه ! فنحسبه مبدلا من : أبره الرّجل ، إذا غلب النّاس وأتى بالعجائب ؛ إذ قلب الهاء حاء شائع في اللّغة ، مثل : هبش وحبش ، أي جمع ، ويتفيهق ويتفيحق ، أي يتوسّع في كلامه .
الاستعمال القرآنيّ
جاء من « البراح » فعلان في القرآن ثلاث مرّات :
1 -
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ
يوسف : 80