تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة وعرض صور حية صادقة لما يتم بعد البعث من جزاء ، فقوله تعالى
اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
إعلان واضح صريح قاطع للشك مزيل للّبس بأن اللّه ربّ السماوات والأرض وما بينهما هو الذي بدأ الخلق فخلق ما شاء ثم يميته ثم يعيده ، وإليه لا إلى غيره ترجع الخليقة كلها راضية أو ساخطة محبّة أو كارهة ، هكذا قرر تعالى عقيدة البعث والجزاء مدلّلا عليها بأقوى دليل وهو وجوده تعالى وقدرته التي لا تحد وعلمه الذي أحاط بكل شيء وحكمته التي لا يخلو منها عمل ، فقال
اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
. وقوله عزّ وجل في الآية الثانية عشر ( 12 )
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ
« 1 » هذا عرض لما بعد البعث فذكر أنه لمّا تقوم الساعة ويبعث الناس يبلس المجرمون أي ييأسون من الرحمة وينقطعون عن الكلام لعدم وجود حجة يحتجون بها . وقوله
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ
أي ولم يكن لهم من يشفع لهم من شركائهم الذين عبدوهم بحجة أنهم يشفعون لهم عند اللّه ، فأيسوا من شفاعتهم وكفروا بهم أيضا أي أنكروا أنهم كانوا يعبدونهم خوفا من زيادة العذاب . هذه حال المجرمين الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي ، الحامل عليها تكذيبهم بآيات اللّه ولقائه . وقوله تعالى
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
هذا عرض آخر يخبر تعالى أنه إذا قامت الساعة تفرق الناس على أنفسهم فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير ، وبين ذلك مقرونا بعلله فقال :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
« 2 »
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي صدّقوا باللّه ربّا وإلها وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا لا دين يقبل غيره وبالبعث والجزاء حقا .
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي عبدوا اللّه تعالى بما شرع لهم من العبادات إذ الصالحات هي المشروع من الطاعات القولية والفعلية فهؤلاء المؤمنون
هامش
( 1 ) يقال : أبلس يبلس إبلاسا : إذا سكت متحيرا وانقطعت حجّته وأيس أن تكون له حجّة ، قال الشاعر :يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلساوالمكرس : الذي بعرت فيه الإبل * وبولت فركب بعضه بعضا( 2 ) قيل في :فَأَمَّاأن معناها : دع ما كنا فيه وخذ في غيره ، وقيل معناها : مهما كنا في شيء فخذ في غير ما كنا فيه ، والمعنى متقارب ، والحقيقة أنها أداة شرط وتفصيل ، تفصيل لما أجمل في الكلام السابق عليها وشرط ولذا قرن جوابها بالفاء .
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 164 | أبي بكر جابر الجزائري