فقال :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً
« 1 » أي تذللا وخشوعا
وَخُفْيَةً
« 2 » أي سرا لا جهرا ، ونهاهم عن الاعتداء في الدعاء حيث أعلمهم أنه لا يحب المعتدين ، والاعتداء في الدعاء أن يدعى غير اللّه تعالى أو يدعى معه غيره ، ومنه طلب ذوات الأسباب بدون إعداد أسبابها ، أو سؤال ما لم تجر سنة اللّه به كسؤال المرء أن يكون نبيا أو يرد من كهولته إلى شبابه أو من شبابه إلى طفولته .
ثم بعد هذا الإرشاد والتوجيه إلى ما يكملهم ويسعدهم نهاهم عن الفساد في الأرض بعد أن أصلحها تعالى والفساد في الأرض يكون بالشرك والمعاصي ، والمعاصي تشمل سائر المحرمات كقتل الناس وغصب أموالهم وإفساد زروعهم وإفساد عقولهم بالسحر والمخدرات وأعراضهم بالزنى والموبقات . ومرة أخرى يحضهم على دعائه لأن الدعاء هو العبادة وفي الحديث الصحيح « الدعاء هو العبادة » فقال : ادعوا ربكم أي سلوه حاجاتكم حال كونكم في دعائكم خائفين من عقابه طامعين راجين رحمته وبين لهم أن رحمته قريب « 3 » من المحسنين الذين يحسنون نيّاتهم وأعمالهم ومن ذلك الدعاء فمن أحسن الدعاء ظفر بالإجابة ، فثواب المحسنين قريب الحصول بخلاف المسيئين فإنه لا يستجاب لهم .
هداية الآيتين
من هداية الآيتين : 1 - وجوب دعاء اللّه تعالى فإن الدعاء هو العبادة .
2 - بيان آداب الدعاء وهو : أن يكون الداعي ضارعا متذللا ، وأن يخفي دعاءه فلا يجهر به ، وأن يكون حال الدعاء خائفا طامعا ، « 4 » وأن لا يعتدي في الدعاء بدعاء غير اللّه تعالى أو سؤال ما لم تجر سنة اللّه بإعطائه .
3 - حرمة الإفساد في الأرض بالشرك والمعاصي بعد أن أصلحها اللّه تعالى بالإسلام .
4 - الترغيب في الإحسان مطلقا خاصا وعاما حيث أن اللّه تعالى يحب أهله .
هامش
( 1 ) اختلف في رفع اليدين في الدعاء والأكثرون على استحبابه لفعله صلّى اللّه عليه وسلّم .
( 2 ) روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي ) .
( 3 ) عدم تأنيث قريب مع أنه خبر عن مؤنث ، تكلم فيه كثيرا وأحسن ما قيل في مثله أن لفظ قريب وبعيد إذا أطلق على النسب تعيّن التذكير والتأنيث بحسب المخبر عنه نحو : زيد قريب عمر ، وعائشة قريبة بكر مثلا ، وما كان لغير النسب جاز تذكيره وتأنيثه قال تعالى :وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباًوقال :وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍفذكّر في الموضعين مع أنّ الوصف عائد على مؤنث .
( 4 ) ويصح نصب خوفا . وطمعا مفعولين لأجله أي ادعوه لأجل الخوف منه والطمع فيه ، ونصبهما على الحال كما في التفسير حسن أيضا .