تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 613

مساهمون:

ص٦١٣
وقوله تعالى :
قُلْ فَمَنْ
« 1 »
يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
يعلم رسوله كيف يحتج على أهل هذا الباطل فيقول له : قل لهم فمن يملك من اللّه شيئا إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه عليهما السّلام
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
والجواب قطعا لا أحد ، إذا فكيف يكون عبد اللّه هو اللّه أو إلها مع اللّه ؟ أليس هذا هو الضلال بعينه وذهاب العقول بكماله ؟ ثم أخبر تعالى أنه له
مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
خلقا وتصرفا ، وأنه
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
خلقه بلا حجر عليه ولا حظر وهو على كل شيء قدير خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم ، وخلق حواء من آدم ، وخلق عيسى من مريم بلا أب ، ويخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير فكون المسيح عليه السّلام خلقه بكلمة كن بلا أب لا تستلزم عقلا ولا شرعا أن يكون هو اللّه ، ولا ابن اللّه ، ولا ثالث ثلاثة مع اللّه كما هي عقيدة أكثر النصارى ، والعجب من إصرارهم على هذا الباطل ، هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الآية الثانية ( 18 ) فقد تضمنت بيان ضلال اليهود والنصارى معا وهو دعواهم أنهم
أَبْناءُ اللَّهِ
« 2 »
وَأَحِبَّاؤُهُ
إذ قال تعالى عنهم
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ
« 3 »
أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
وهو تبجح وسفه وضلال فأمر اللّه تعالى رسوله أن يرد عليهم بقوله : قل لهم يا رسولنا
فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
فهل الأب يعذب أبناءه والحبيب يعذب محبيه ، وأنتم تقولون نعذب في النار أربعين يوما بسبب خطيئة عبادة أسلافهم العجل أربعين يوما كما جاء ذلك في قوله تعالى حكاية عنهم :
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً
والحقيقة أن هذا القول منكم من حملة الترهات والأباطيل التي تعيشون عليها ، وأما أنتم فإنكم بشر ممن خلق اللّه فنسبتكم إليه تعالى نسبة مخلوق إلى خالق وعبد إلى مالك من آمن منكم وعمل صالحا غفر له وأكرمه ، ومن كفر منكم وعمل سوء عذبه كما هي سنته في سائر عباده ، ولا اعتراض عليه فإن له ملك السماوات والأرض وما بينهما وأنتم من جملة مملوكيه ، واليه المصير فسوف ترجعون إليه ويجزيكم بوصفكم إنه حكيم عليم . هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الآية الثالثة ( 19 ) فقد تضمنت إقامة الحجة على أهل
هامش
( 1 ) الفاء : للعطف على جملة محذوفة متضمنة كذبهم في قولهم ، والتقدير : قل كذبتم فمن يملك . . . الخ . ( 2 ) التعبير بالأبوة والبنوة المنسوبة إلى اللّه تعالى تفيض بها التوراة والإنجيل وهو من التحريف الذي حصل لكتابيهم ، وأمّا قول من قال : هذه الأبوة والبنوة كانت تعني التشريف فاغتر بها المتأخرون واعتقدوا حقيقتها ، هذا القول فيه مجازفة لا تقبل . ( 3 ) قال ابن عباس رضي اللّه عنهما خوّف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قوما من اليهود بالعقاب فقالوا : لا نخاف فإننا أبناء اللّه وأحبّاؤه فنزلت هذه الآية .
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 613 | أبي بكر جابر الجزائري