تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
طلحة الحجبي « 1 » حيث كان مفتاح الكعبة عنده بوصفه سادنا « 2 » فطلبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منه صبيحة يوم الفتح فصلى في البيت ركعتين وخرج فقال العباس رضي اللّه عنه أعطنيه يا رسول اللّه ليجمع بين السقاية والسدانة فأنزل اللّه تعالى هذه الآية والتي بعدها فقرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الآية على الناس ودعا عثمان بن طلحة وأعطاه المفتاح . غير أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولذا فالآية في كل أمانة فعلى كل مؤتمن على شئ أن يحفظه ويرعاه حتى يؤديه « 3 » إلى صاحبه والآية تتناول حكام المسلمين أولا بقرينة
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
الذي هو القسط وضد الجور ومعناه إيصال الحقوق إلى مستحقيها من أفراد الرعايا . وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ
« 4 »
بِهِ
يريد أن أمره تعالى أمة الإسلام حكاما ومحكومين بأداء الأمانات والحكم بالعدل هو شئ حسن ، وهو كذلك إذ قوام الحياة الكريمة هو النهوض بأداء الأمانات والحكم بالعدل وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
فيه الحث على المأمور به بإيجاد ملكة مراقبة اللّه تعالى في النفس ، فإن من ذكر أن اللّه تعالى يسمع أقواله ويبصر أعماله استقام في قوله فلم يكذب وفي عمله فلم يفرط . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 58 ) ، أما الآية الثانية ( 59 ) ، فإن اللّه تعالى لما أمر ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانات التي هي حقوق الرعية ، وبالحكم بينهم بالعدل أمر المؤمنين المولي عليهم بطاعته وطاعة رسوله أولا ثم بطاعة ولاة الأمور ثانيا فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
، والطاعة لأولى الأمر مقيدة بما كان معروفا للشرع أما في غير المعروف فلا طاعة في الاختيار لحديث : « إنما الطاعة في المعروف ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » . وقوله تعالى :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
فهو خطاب عام للولاة والرعية فمتى حصل خلاف في أمر من أمور الدين والدنيا وجب رد ذلك إلى كتاب اللّه « 5 » وسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فبما حكما فيه وجب قبوله حلوا كان أو مرا ، وقوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ
هامش
( 1 ) المؤتمن إذا لم يفرّط وضاعت الأمانة منه فلا ضمان عليه إجماعا لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ضمان على مؤتمن » رواه الدارقطني ، والعارية مؤداه أيضا لحديث خطبة الوداع : « العارية مؤداة ، والمنحة مردودة والدين مقضي ، والزعيم غارم » أي ضامن . ( 2 ) أصل نعما : نعم ، وكتبت معها ما بعد كسر عين نعم وتسكين ميمها وادغامها في ما هي إما موصولة أو نكرة موصوفة أو نكرة تامة ، وأما الجملة بعد نعمّا فهي تجري بحسب ما يناسب معنى ( ما ) . ( 3 ) الحجبي ، نسبة إلى حجابة البيت على غير قياس . ( 4 ) السادن : الخادم للبيت وتسمى هذه المهنة : السدانة . ( 5 ) وذلك يستلزم الردّ إلى العلماء الفقهاء ، إذ هم الذين يعرفون الأحكام ويحسنون استنباطها من الكتاب والسنة .
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 497 | أبي بكر جابر الجزائري