تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
الأول مغفرة ذنوبهم وذلك بالتوبة النصوح ، والثاني دخول الجنة التي وصفها لهم ، وقال تعالى
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
« 1 »
السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
أي أحضرت وهيئت للمتقين والمسارعة إلى الجنة هي المسارعة إلى موجبات دخولها وهي الإيمان والعمل الصالح إذ بهما تزكوا الروح وتطيب فتكون أهلا لدخول الجنة . هذا ما تضمنته الآية الأولى وأما الآيتان الثانية ( 134 ) والثالثة ( 135 ) فقد تضمنتا صفات المتقين الذين أعدت لهم الجنة دار السّلام فقوله تعالى :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
هذا وصف لهم بكثرة الانفاق في سبيل اللّه ، وفي كل أحايينهم من غنى وفقر وعسر ويسر وقوله :
وَالْكاظِمِينَ
« 2 »
الْغَيْظَ
وصف لهم بالحلم والكرم النفسي وقوله :
وَالْعافِينَ عَنِ
« 3 »
النَّاسِ
وصف لهم بالصفح والتجاوز عن زلات الآخرين تكرما ، وفعلهم هذا إحسان ظاهر ومن هنا بشروا بحب اللّه تعالى لهم فقال تعالى
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
كما هو تشجيع على الإحسان وملازمته في القول والعمل وقوله :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ
وصف لهم بملازمة ذكر اللّه وعدم الغفلة ، ولذا إذا فعلوا فاحشة ذنبا كبيرا أو ظلموا أنفسهم بذنب « 4 » دون الفاحش ذكروا وعيد اللّه تعالى ونهيه عما فعلوا فبادروا إلى التوبة وهي الاقلاع عن الذنب والندم عن الفعل والعزم على عدم العودة إليه ، واستغفار اللّه تعالى منه . وقوله تعالى
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
« 5 » وصف لهم بعدم الإصرار أي المواظبة على الذنب وعدم تركه وهم يعلمون أنه ذنب ناتج عن تركهم لواجب ، أو فعلهم لحرام ، وأما الآية الرابعة ( 136 ) فقد تضمنت بيان جزائهم على إيمانهم وتقواهم وما اتصفوا به من كمالات نفسية ، وطهارة روحية الا وهو مغفرة ذنوبهم كل ذنوبهم
هامش
( 1 ) ذكر العرض ولم يذكر الطول لأنّ الطول لا يدل على العرض أمّا العرض فإنه يدل على الطول ، فطول كل شيء بحسب عرضه ، وعرض السماوات معناه كعرض السماوات فلو أخذت السماوات ، سماء بعد سماء ، والأرضون وألصقت ببعضها كان عرض الجنّة كذلك هذا الذي عليه أهل التفسير من السلف ، قال الزهري أمّا طولها فلا يعلمه إلّا اللّه . ( 2 ) ورد في كظم الغيظ أحاديث منها : « ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » . ( 3 ) ورد في فضل العفو أحاديث كثيرة منها : « من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه » رواه الحاكم وصححه . . ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثلاث أقسم عليهن : ما نقص مال من صدقة وما زاد اللّه عبدا بعفو إلّا عزا ومن تواضع للّه رفعه اللّه » . ( 4 ) في الصحيحين : قال عثمان أنّه توضأ لهم وضوء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه » . ( 5 ) أي أنّ من تاب تاب اللّه عليه هكذا روي عن مجاهد ولا يتنافي مع ما فسرنا به الآية وورد « ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرّة » .
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 379 | أبي بكر جابر الجزائري