شرحت لك كل ما أسقط حرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال ، فظهر ما تحظر التقيّة إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء .
وأما قوله :
وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
« 1 » ، فهو تبارك اسمه أجل وأعظم من أن يظلم ، ولكنه قرن أمناءه على خلقه بنفسه ، وعرف الخليقة جلالة قدرهم عنده ، وأن ظلمهم ظلمه ، بقوله :
وَما ظَلَمُونا
ببغضهم أولياءنا ، ومعونة أعداءهم عليهم ،
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
إذ حرموها الجنّة ، وأوجبوا عليها خلوة النار .
وأما قوله :
إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ
« 2 » ، فإنّ اللّه جل ذكره أنزل عزائم الشرائع وآيات الفرائض في أوقات مختلفة ، كما خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ولو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق ، ولكنه جعل الأناة والمداراة مثالا ، لأمنائه ، وإيجابا للحجة على خلقه ، فكان أول ما قيدهم به الإقرار بالوحدانية والربوبية والشهادة بأن لا إله إلا اللّه ، فلما أقروا بذلك تلاه بالإقرار لنبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالنبوة والشهادة له بالرسالة ، فلما انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج ثم الجهاد ثم الزكاة ثم الصدقات ، وما يجري مجراها من مال الفيء ، فقال المنافقون : هل بقي لربك علينا بعد الذي فرضه شيء آخر يفترضه ، فتذكره لتسكن أنفسنا أنه لم يبق غيره ؟ فأنزل اللّه في ذلك
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ
يعني الولاية ، وأنزل :
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ
« 3 » ، وليس بين الأمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة يومئذ أحد وهو راكع غير رجل واحد ، لو ذكر
هامش
( 1 ) البقرة : 57 .
( 2 ) سبأ : 46 .
( 3 ) المائدة : 55 .