أي : اسمع كلامنا لا أسمعك اللّه ، في الموضع الذي يقول فيه المتأدبون للمخاطبين : اسمع غير مسمع .
أي : لا سمعت مكروها . فاللفظ يسوقونه ومرادهم منه الدعاء عليه ويوهمون أن مرادهم الدعاء له .
ويقولون :
راعِنا
. وهي كلمة تحتمل الخير على معنى : ( انظرنا وتمهل علينا نكلمك ) وتحتمل الشر على معنى : ( راعينا ) أي : اشملنا بالرعونة والحمق ، أو جعله راعيا من رعاة الغنم .
ومن تحريفهم قولهم : ( السام عليكم ) أي : الموت عليكم ،
لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ
. أي : صرفا للكلام عن ظاهره إلى إرادة الشتم والسب ، وقدحا في الدين بالاستهزاء والسخرية .
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ
. أي : لو أنهم استقاموا وقالوا :
سَمِعْنا وَأَطَعْنا
. بدل قولهم : سمعنا وعصينا وقالوا :
اسْمَعْ
دون أن يقولوا : غير مسمع ، وقالوا :
انْظُرْنا
بدل
راعِنا
لكان خيرا لهم ما قالوه ، وأعدل منه سبيلا ولكن اللّه طردهم من رحمته ؛ بإعراضهم فلا تجد منهم من يستجيبون لداعى الإيمان إلا عددا قليلا .
* * *
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 )
المفردات :
الكتاب : التوراة .
الطمس : إزالة الأثر بمحوه أو إخفائه كما تطمس آثار الدار وأعلام الطرق إما بأن تنقل حجارتها ، وإما بأن تسفوها الرياح ، ومنه الطمس على الأموال في قوله :
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ
. ( يونس : 88 ) أي : أزلها وأهلكها ، والطمس على الأعين في قوله :
وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ
. ( يس : 66 ) إما إزالة نورها ، وإما محو حدقتها .
الوجه : تارة يراد به الوجه المعروف وتارة وجه النفس وهو ما تتوجه إليه من المقاصد كما قال تعالى :
أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
. ( آل عمران : 20 ) ، وقال :
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ
.
( لقمان : 22 ) ، وقال :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
. ( الروم : 30 ) .
الأدبار : واحدها : دبر ، وهو الخلف والقفا .
الارتداد : هو الرجوع إلى الوراء ، إما في الحسيات وإما في المعاني ، ومن الأول : الارتداد والفرار في القتال ومن الثاني : قوله :
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ
. ( محمد : 25 )
نلعنهم : نهلكهم .
كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ
، أي : كما أهلكنا أصحاب السبت ، وقيل : مسخهم الله وجعلهم قردة وخنازير كما أخرجه ابن جرير عن الحسن .