تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 850

مساهمون:

ص٨٥٠
وقوله :
وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
. يراد به شهادة محمد صلى اللّه عليه وسلم - خاتم المرسلين - على أمته كما قال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
. أي : إن هذه الأمة بحسن سيرتها ؛ تكون شهيدة على الأمم السالفة وحجة عليها في انحرافها عن هدى المرسلين ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم بسيرته وأخلاقه الغالية وسننه المرضية ؛ يكون حجة على من تركها وتساهل في اتباعها ، وعلى من تغالى فيها وابتدع البدع المحدثة من بعده . روى البخاري ، والترمذي ، والنسائي وغيرهم من حديث ابن مسعود أنه قال : قال لي رسول للّه صلى اللّه عليه وسلم : « اقرأ على . قلت : يا رسول اللّه أقرأ عليك ، وعليك أنزل ؟ ! قال : نعم أحب أن أسمعه من غيرى ، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ . . .
إلخ ، فقال : « حسبك الآن » فإذا عيناه تذرفان ! » 8 . فانظر كيف اعتبر بهذه الشهادة الشهيد الأعظم صلى اللّه عليه وسلم فبكى لتذكر هذا اليوم ، وهل نعتبر كما اعتبر ونستعد لهول ذلك اليوم ؛ باتباع سنته ونجتهد في اجتناب البدع والتقاليد التي لم تكن في عهده ؛ وبذا نكون أمة وسطا لا تفريط عندها في الدين ولا إفراط ، لا في الشؤون الجسمية ولا في الشؤون الروحية ، أو نظل في غوايتنا ، تقليدا للآباء ؛ لنكون كما قال الكافرون :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
. ( الزخرف : 22 ) 42 -
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ
. أي : إذا جاء ذلك اليوم الذي نأتى فيه بشهيد على كل أمة ، يتمنى الذين كفروا وعصوا الرسول فلم يتبعوا ما جاء ، أن يصيروا ترابا تسوى بهم الأرض ؛ فيكونوا وإياها سواء كما قال تعالى : في سورة النبأ : . . .
وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
. ( النبأ : 40 )
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
. أي : أنهم يودون لو يكونون ترابا فتسوى بهم الأرض ولا يكونون قد كتموا اللّه وكذبوا أمامه على أنفسهم بإنكار شركهم وضلالهم كما قال تعالى :
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
. ( الأنعام : 22 - 24 ) ، أي : فهم حينئذ يكذبون وينكرون شركهم إما اعتقادا منهم أن ما كانوا عليه ليس بشرك ، وإما هو استشفاع وتوصل ، وإما مكابرة وظنا أن ذلك يجديهم ويدفع عنهم العذاب ، فيشهد عليهم الأنبياء المرسلون أنهم لم يكونوا متبعين لهم فيما أحدثوا من شركهم ، بل كانوا مبتدعين ذلك من عند أنفسهم ، فقد قاسوا ربهم على ملوكهم الظالمين وأمرائهم المستبدين الذين يتركون عقاب بعض المسيئين بشفاعة المقربين ، فإذا شهدوا عليهم تمنوا لو كانوا قد سويت بهم الأرض وما افتروا ذلك الكذب . * * *