تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير كتاب الله العزيز — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ :
أي أن لن نعاقبه « 1 » . وبلغنا - واللّه أعلم - أنّ يونس دعا قومه زمانا إلى اللّه عزّ وجلّ ، فلمّا طال ذلك وأبوا أوحى اللّه إليه أنّ العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا . فلمّا دنا الوقت تنحّى عنهم . فلمّا كان قبل الوقت بيوم جاء فجعل يطوف بالمدينة وهو يبكي ويقول : يأتيكم العذاب غدا . فسمعه رجل منهم فانطلق إلى الملك ، فأخبره أنّه سمع يونس يبكي ويقول : يأتيكم العذاب غدا . فلمّا سمع الملك ذلك دعا قومه فأخبرهم بذلك وقال : إن كان هذا حقّا فسيأتيكم العذاب غدا ، فاجتمعوا حتّى ننظر في أمرنا ، فاجتمعوا ، فخرجوا من المدينة من الغد ، فنظروا فإذا بظلمة سوداء وريح شديدة قد أقبلت نحوهم ، فعلموا أنّه الحقّ . ففرّقوا بين الصبيان وبين أمّهاتهم ، وبين البهائم وبين أمّهاتها ، ولبسوا الشعر ، وجعلوا التراب والرماد على رؤوسهم تواضعا للّه ، وتضرّعوا إليه وبكوا وآمنوا . فصرف اللّه عنهم العذاب . فاشترط بعضهم على بعض ألّا يكذب أحد كذبة إلّا قطعوا لسانه . فجاء يونس من الغد ، فنظر فإذا المدينة على حالها ، وإذا الناس داخلون وخارجون ، فقال : سبحان اللّه ، أمرني ربّي أن أخبر قومي أنّ العذاب يأتيهم فلم يأتهم ، فكيف ألقاهم ؟ . فانطلق حتّى انتهى إلى ساحل البحر ، فإذا سفينة في البحر ، فأشار إليها ، فأتوه فحملوه ، وهم لا يعرفونه . فانطلق إلى ناحية من السفينة فتقنّع فرقد . فما مضوا إلّا قليلا حتّى جاءتهم ريح فكادت السفينة أن تغرق . فاجتمع أهل السفينة فدعوا اللّه ، ثمّ قالوا : أيقظوا الرجل يدعو اللّه معنا ، ففعلوا . فدعا اللّه معهم ، فرفع اللّه عنهم تلك الريح . ثمّ انطلق إلى مكانه فرقد . فجاءت ريح ، فكادت السفينة أن تغرق ، فأيقظوه ، فدعوا اللّه ودعا معهم ، فرفع اللّه تبارك وتعالى عنهم الريح . فتفكّر العبد الصالح يونس فقال : هذا من أجل خطيئتي ، أو قال : من ذنبي ، أو كما قال . فقال لأهل السفينة : شدّوني وثاقا وألقوني في البحر ، فقالوا : ما كنّا لنفعل هذا بك وحالك حالك . ولكنّا نقترع ، فمن أصابته القرعة
هامش
- بعضهم : ذهب مغاضبا لربّه ، وهو ما ذهب إليه الحسن وسعيد بن جبير . أي : مغاضبا من أجل ربّه . واقرأ ما ذهب إليه ابن قتيبة في تأويل هذه المغاضبة في كتابه تأويل مشكل القرآن ، ص 402 - 408 . وانظر كذلك تفسير الطبريّ ، ج 17 ص 76 - 78 . ( 1 ) وقيل في تفسيره أي : أن لن نضيّق عليه ، من باب قوله تعالى :( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ )أي : ضيّق عليه ، واقرأ في هذا الموضوع واختلاف المفسّرين في عصمة الأنبياء تنبيها مهمّا كتبه الشيخ محمّد جمال الدين القاسميّ في تفسيره محاسن التأويل ، ج 7 ص 284 - 287 . وانظر تفسير الطبريّ ، ج 17 ص 78 .