تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 774

مساهمون:

ص٧٧٤
ردّ » قالوا : وهذا صريح في أنّ هذا الطلاق المحرم الذي ليس عليه أمره صلّى اللّه عليه وسلّم مردود وباطل . قالوا : وإذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي ، فما الفرق بينه وبين الطلاق ؟ وكيف أبطلتم ما نهى اللّه عنه من النكاح ، وصححتم ما حرّمه ونهى عنه من الطلاق ؟ وليس لكم متمسك في ذلك إلا رواية عن ابن عمر قد خالفها ما هو مثلها أو أحسن منها عن ابن عمر أيضا ، فقد أخرج أبو داود « 1 » عن أبي الزبير أنّه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر ، قال أبو الزبير : وأنا أسمع : كيف ترى في رجل طلّق امرأته حائضا فقال : طلّق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسأل عمر عن ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إنّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض . قال عبد اللّه : فردها عليّ ولم يرها شيئا . وليست رواية نافع عن ابن عمر : « مره فليراجعها » « 2 » بأصحّ من رواية أبي الزبير عنه : « فردها عليّ ولم يرها شيئا » . وحينئذ يتعيّن الجمع بينهما بحمل المراجعة في قوله : « مره فليراجعها » على الارتجاع والرد إلى حالة الاجتماع كما كانا من قبل ، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق البتة . وأجاب الجمهور عن ذلك بأنّ الاستدلال بالآية على عدم وقوع الطلاق في الحيض موقوف على أنّ النهي عن الشيء يقتضي الفساد ، وهي مسألة أصولية كثرت فيها المذاهب والآراء ، وصحّح الحنفية منها أنه لا يقتضي الفساد مطلقا . وقال الشافعية : إنّه يدلّ على الفساد في العبادات وفي المعاملات إذا رجع إلى نفس العقد ، أو إلى أمر داخل فيه ، أو لازم له . فإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع وقت نداء الجمعة ، فلا يدل على الفساد ، والنهي فيما نحن فيه لأمر مقارن ، وهو زمان الحيض ، فهو عندهم لا يدل على الفساد أيضا . وأيّد ذلك بأمر ابن عمر بالرجعة ، إذ لو لم يقع الطلاق لم يؤمر بها ، وقد قال اللّه تعالى :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
[ البقرة : 230 ] وهذا يعمّ كلّ طلاق . وكذلك قوله :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
[ البقرة : 228 ] وقوله :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
[ البقرة : 229 ] وقوله :
وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ
[ البقرة : 241 ] وهذه كلها عمومات لا يجوز تخصيصها إلا بنص أو إجماع ، والمطلقة في الحيض داخلة في هذه العمومات . وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ » فما أصحه وما أبعده
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في السنن ( 2 / 228 ) ، كتاب الطلاق ، باب في طلاق السنة حديث رقم ( 2185 ) . ( 2 ) رواه مسلم في الصحيح ( 2 / 1093 ) ، 18 - كتاب الطلاق ، 1 - باب تحريم طلاق الحائض حديث رقم ( 1 / 1471 ) ، والبخاري في الصحيح ( 6 / 199 ) ، 68 - كتاب الطلاق ، 1 - باب قول اللّه تعالى :يا أَيُّهَا النَّبِيُّحديث رقم ( 5251 ) .