و
عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أساء بأخيه الظنّ فقد أساء الظنّ بربّه ، إن اللّه تعالى يقول :
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
.
وقد قدمنا أنّ الممنوع إساءة الظن بالمسلم المستور ظاهر العدالة ، وأما من يتعاطى الرّيب ، والمجاهرة بالخبائث ، فلا يحرم إساءة الظن به ، فليس الناس أحرص منه على نفسه ، وقد أمر أن يتجنب الريب ، وألّا يقف مواقف التّهم ، فمن وقف مواقف التهم اتّهم .
والظن الواجب : يكون فيما تعبّدنا اللّه تعالى بعلمه ، ولم ينصب عليه دليلا قاطعا ، فهنا يجب الظن للوصول إلى المعرفة التي تعبّدنا اللّه بها ، وما غلب على ظنه فهو الذي تعبّدنا اللّه به . ومن ذلك قبول شهادة العدل ، وتحرّي القبلة ، وتقويم المستهلكات ، وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها نصّ عن الشارع .
والمندوب من الظن : ظنّ الخير بالمسلم ، وقد تقول : ما دام سوء الظن محرّما ، فما بال حسن الظن مندوبا ؟
ولكن إذا علمت أنّ هناك واسطة ، وهو ألا يظن شيئا علمت أنّه لا يلزم التقابل في الحكم .
والظنّ المباح : قد مثّلوا له بالشك في الصلاة ، وكأنهم يريدون من الظنّ استواء الطرفين ، ومثّلوا له أيضا بالظن الذي يعرض في القلب ، مما يوجب الريبة ،
وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا ظننتم فلا تحققوا »
أي لا توجدوا أثرا لهذا الظن .
وحرمة الظن بالناس إنما تكون إذا كان لسوء الظن أثر يتعدّى إلى الغير ، وأمّا أن تظنّ شرا لتتقيه ، ولا يتعدّى ذلك إلى الغير ، فذلك محمود غير مذموم ، وهو محمل ما
ورد من أنّ ( من الحزم سوء الظن )
.
و ( احترسوا من الناس بسوء الظن )
.
وما جاء في الحكم : ( حسن الظنّ ورطة ، وسوء الظنّ عصمة ) .
وقوله تعالى :
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
تعليل للأمر باجتناب الظنّ . والإثم الذنب الذي يستحقّ فاعله العقوبة عليه .
وَلا تَجَسَّسُوا
أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم ، وتستكشفوا ما ستروه . والتجسس : تفعل من الجس ، وهو بمعنى التحسس على ما قيل ، وبعضهم يرى أنهما متغايران ، وأن التجسس معرفة الظاهر ، وبالحاء تتبع البواطن ، وقيل :
بالعكس ، والأمر مرجعه إلى اللغة . وقد عدّ العلماء التجسس من الكبائر .
وقد أخرج أبو داود وغيره عن أبي برزة الأسلمي قال : خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا معشر من آمن بلسانه ، ولم يدخل الإيمان قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنّه