المنفعة والمهر . وذلك كاف في تصحيح إطلاق اسم الأجر على المهر ، وقد قلنا في بادئ الرأي ، لأنّ اللّه تعالى يقول :
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ( 4 )
[ النساء : 4 ] والنحلة العطية .
وإنك لترى الفقهاء قاطبة في مواضع كثيرة يقولون : المهر ليس في مقابلة البضع ، ولا في مقابلة المنفعة ، ولا هو في مقابلة الانتفاع ، إنما هو بدل وعطية لإظهار خطر المحل وشرفه . على أنّك ترى أنّ حقيقة الأجرة لا تمشي مع المهر خطوات كثيرة ، فالأجرة في مقابلة المنفعة تنقسم عليها ، وتتجزأ معها بحسب الزمن ، وليس كذلك المهر ، حيث يجب نصفه بالطلاق بعد العقد قبل المس ، ويجب كله في غير هذه ، ولا عبرة بمرات الانتفاع كثرة وقلّة ، بل المرة الواحدة كالذي لا يتناهى من المرات . وأنت تعرف أنّ الخلوة الصحيحة مرة واحدة توجب المهر كاملا عند الحنفية ، فهل ترون أن الرجل انتفع ، وأنّ انتفاعه تكرّر .
وقد جاء في الآية الكريمة عدة قيود ، ما أريد بواحد منها إلا التنبيه على الحالة الكريمة الفاضلة :
منها ، وصف أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم باللاتي آتى أجورهن ، فإنه تنبيه على الحالة الكاملة ، فإن الأكمل إيتاء المهر كاملا دون أن يتأخر منه شيء . وما الذي عليه الناس من تأخير بعض المهر إلا شيء أحدثه العرف ، واقتضاه الحذر بعد أن فسد حال الناس ، واقتضاه التغالي في المهور أو الظهور بمظهر المغالاة فيها . وإذا كان الفقهاء قد جعلوا للمرأة حقّ الامتناع من تمكين الزوج حتى تأخذ المهر كاملا . فلا يكون الأليق أن يدفع المهر كاملا حتى لا يظهر الرجل بمظهر من يريد استحلال الفروج بالمجان . ويقول العلماء : إنّ تعجيل المهور كان سنة السلف ، لا يعرف منهم غيره ، وقد شكا بعض الصحابة عدم قدرته على التزوج
فقال له صلّى اللّه عليه وسلّم : « أين درعك الحطمية » « 1 » .
ومنها أن تخصيص المملوكات بأن يكنّ من الفيء من هذا القبيل ، فإنّ المملوكة إذا كانت غنيمة من أهل الحرب كانت أحلّ وأطيب مما يشترى من الجلب ، لأن تلك ظاهرة الحال ، معروفة النشأة .
ومن تلك القيود قيد الهجرة في قوله :
اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ
ولا شك أن من هاجرت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أولى بشرف زوجية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ممن عداها .
وإنما قلنا الذي قلنا حتى لا نخوض فيما خاض فيه المفسرون من أشياء لا تغني من الحق شيئا ، فقد حاولوا أن يأخذوا من قوله تعالى :
اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ
أن الممهورات من نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أخذن مهرهنّ كلّه معجلا وأن تعجيل المهر كان
هامش
( 1 ) رواه النسائي في السنن ( 5 - 6 / 440 ) ، كتاب النكاح ، باب تحلة الخلوة حديث رقم ( 3375 ) .