تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 625

مساهمون:

ص٦٢٥
مخترعات أهل الجاهلية ، التي لم يستندوا فيها إلى مستند شرعي . وجعل المتبنى ابنا في جميع الأحكام مما لا حقيقة له في شرع ظاهر . ولما كان أظهر هذه الأمور في البعد عن الحقيقة كون الرجل له قلبان ؛ قدّم اللّه جل شأنه قوله :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
وضربه مثلا للظهار والتبني ، أي كما لا يكون لرجل قلبان لا تكون المظاهر منها أما ولا المتبنّى ابنا . وقوله عزّ وجلّ :
ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ
الإشارة فيه إلى ما يفهم من الجمل الثلاث من كون الرجل له قلبان ، وكون المظاهر منها أما والدعيّ ابنا . وزيادة قوله تعالى :
بِأَفْواهِكُمْ
للتنبيه على أنه قول صادر من الأفواه فقط ، من غير أن يكون له مصداق أو حقيقة في الواقع ونفس الأمر ، فلا يستتبع أحكاما كما يزعمون .
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
أي فدعوا قولكم ، وخذوا بقوله عزّ وجلّ .
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ
أخرج الشيخان والترمذي والنسائي « 1 » وغيرهم عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنّ زيد بن حارثة مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد ، حتى نزل القرآن :
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ
إلخ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنت زيد بن حارثة بن شراحيل » . وكان من أمره ما رواه ابن مردويه عن ابن عباس « 2 » أنّه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طيئ ، فأصيب في نهب من طيئ ، فقدم به سوق عكاظ . وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوّق بها ، فأوصته عمته خديجة أن يبتاع لها غلاما ظريفا عربيا إن قدر عليه ، فلما قدم وجد زيدا يباع فيها ، فأعجبه ظرفه ، فابتاعه ، فقدم به عليها ، وقال لها : إني قد ابتعت لك غلاما ظريفا عربيا ، فإن أعجبك فخذيه ، وإلا فدعيه ، فإنه قد أعجبني ، فلما رأته خديجة أعجبها ، فأخذته . فتزوجها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهو عندها ، فأعجب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ظرفه ، فاستوهبه منها ، فقالت : أهبه لك ، فإن أردت عتقه فالولاء لي ، فأبى عليها الصلاة والسلام ، فوهبته له إن شاء أعتق ، وإن شاء أمسك . قال : فشب عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم إنّه خرج في إبل لأبي طالب بأرض الشام ، فمرّ بأرض قومه ، فعرفه عمه ، فقام إليه فقال : من أنت يا غلام ؟ قال : غلام من أهل مكة .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 4 / 884 ) ، 44 - كتاب فضائل الصحابة ، 10 - باب فضائل زيد حديث رقم ( 62 / 2425 ) ، والبخاري في الصحيح ( 6 / 6 ) ، 65 - كتاب التفسير ، 2 - بابادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْحديث رقم ( 4782 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 330 ) ، كتاب التفسير ، باب تفسير سورة الأحزاب حديث رقم ( 3209 ) . ( 2 ) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ( 5 / 181 - 182 ) .