تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 620

مساهمون:

ص٦٢٠

من سورة لقمان

قال اللّه تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 15 )
المختار عند أهل التأويل أنّ قوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ
إلى آخر الآيتين كلام مستأنف من اللّه تعالى ، جاء معترضا بين وصايا لقمان لابنه ، ولهذا الاعتراض من البلاغة أحسن موقع ، ذلك لأنّ الفائدة فيه توكيد ما تضمّنته أولى وصايا لقمان ، وهو النهي عن الشرك ، وتقرير أنّه ظلم عظيم ، فإنه قيل : حقّا إنّ الشرك لمنهي عنه ، وإنّه لظلم عظيم مهما كانت أسبابه ، ومهما كان الحامل عليه ، فمع أننا وصّينا الإنسان بوالديه أن يبرّهما ، ويحسن إليهما ، فقد نهيناه عن إطاعتهما في الشرك لو فرض أنهما طلباه منه بإلحاح وجهد .
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ
هذا اعتراض أيضا بين قوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ
وقوله تعالى :
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ
لبيان العلة في الوصية ، أو في وجوب امتثالها . وقوله تعالى :
وَهْناً عَلى وَهْنٍ
حال من فاعل
حَمَلَتْهُ
على التأويل بالمشتق ، أي حملته أمه حال كونها ذات وهن على وهن ، أي ذات ضعف على ضعف متتابع متزايد من حين الحمل إلى الوضع .
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
الفصال الفطام ، أي وفطامه يكون في انقضاء عامين ، أي في أوّل زمان انقضائهما . استدل العلماء غير أبي حنيفة بقوله تعالى :
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
على أنّ مدة الرضاع الذي يتعلق به التحريم عامان ، ومثل هذه الآية في ذلك قوله في سورة البقرة :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ
[ البقرة : 233 ] . وعلم [ من ] هذه [ الآية ] فائدة [ فقد ] استنبط علي وابن عباس وكثير غيرهما من قوله تعالى في سورة الأحقاف :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
[ الأحقاف : 15 ] أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر . روي أنّ عثمان أمر برجم امرأة قد ولدت لستة أشهر ، فقال له علي كرّم اللّه وجهه : قال اللّه تعالى :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
وقال :
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
.
تفسير آيات الأحكام — صفحة 620 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان