تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
وفي هذا اختلف العلماء في مرجع الضمير من قوله :
هُوَ سَمَّاكُمُ
فعن ابن زيد والحسن : أن الضمير لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ، سمانا المسلمين قبل نزول القرآن ، وذلك ظاهر ، وسمانا المسلمين في القرآن لأنه تسبب في هذه التسمية بقوله :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
[ البقرة : 128 ] فلما استجاب اللّه دعاءه ، وجعلنا أمة مسلمة من ذريته ، كان إبراهيم كأنّه سمانا مسلمين . وذهب ابن عباس ومجاهد والضحاك إلى أن المسمّي هو اللّه جل شأنه ، ويؤيد هذا الرأي قراءة أبي بن كعب ( اللّه سماكم المسلمين ) وابقاء الإسناد على ظاهره خير من التأويل فيه ، وجعله مستعملا في حقيقته ومجازه . واللام في قوله تعالى :
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ
إما لام العاقبة ، وهي متعلقة بسماكم على الوجهين في ضميره ، وشهادة الرسول على أمته معناها الإخبار بأنّه قد بلّغهم رسالة ربه ، وإما لام التعليل . وعلى في قوله :
عَلَيْكُمْ
بمعنى اللام ، على حد قوله تعالى :
وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ
[ المائدة : 3 ] ومعنى شهادة الرسول لهم أن يزكيهم عند اللّه يوم القيامة ، ويشهد بعدالتهم إذا شهدوا على الأمم السابقين ويكون التعبير بعلى لما في الشهيد من معنى الرقيب والمهيمن . وقد تبين لك أنّه لا بد على هذين الوجهين من التأويل في قوله تعالى :
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ
إما في ( اللام ) وإما في كلمة ( على ) والسبب في ذلك هو أنه لم يظهر للقائلين بهما الوجه في أن يعلل تعديل هذه الأمة وتسميتها مسلمة بشهادة الرسول عليها ، إذ المستقيم إنما هو تعليل ذلك بقبول شهادتها على غيرها . والحق أنه لا حاجة لذلك التأويل ، ولا مانع من بقاء كل من : على واللام على أصل معناه ، ويكون قول شهادة الرسول صلّى الله عليه وسلّم على الأمة علة في الحكم بعدالة ذلك الحكم الذي دلّت عليه تسميته مسلما ، إذ لا شك أنه صلّى الله عليه وسلّم مسلم للّه ، وأنه سيد المسلمين ، فهو داخل في قوله تعالى :
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ
دخولا أوليا ، ويكون قبول الشهادة من أمته على الأمم الأخرى علة في تسميتها مسلمة كذلك . ويكون في الكلام تفصيل في الشهادة بعد إجمال في التسمية بالمسلمين ، وهذا وجه وجيه لا خفاء فيه . قد يقال : إنه بعد هذا كله لا يظهر التعليل إلا إذا كانت التسمية بالمسلمين واقعة من اللّه تعالى ، كما هو أحد الرأيين ، فإنّه واضح جدا أن يقال : سماهم اللّه مسلمين هذه التسمية الدالّة على حكمه بعدالتهم ، ليقبل شهادتهم على غيرهم ، أما إذا كانت
تفسير آيات الأحكام — صفحة 526 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان