تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
للمكلّف في حالات تعظم فيها المشقة عليه أن يفطر ، فأباح الفطر لكلّ من المسافر والمريض والهرم والحامل والمرضع ، وهكذا تجد جميع التكاليف في ابتدائها ودوامها مراعى فيها التخفيف والتيسير على العباد ، كما يشهد بذلك قوله تعالى :
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
[ الأعراف : 157 ] وقوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة : 185 ] وغير ذلك في هذا المعنى كثير .
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
الملة والدين والشريعة شيء واحد ، وكلمة
مِلَّةَ
منصوبة على المصدرية بفعل يدلّ عليه قوله تعالى :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
فإنه يفيد معنى التوسعة ، أي وسع عليكم في دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم ، فحذف المصدر المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، ويصحّ أن تكون منصوبة على الاختصاص بفعل تقديره : أعني ملة أبيكم إبراهيم ، وقيل : إنها منصوبة على الإغراء أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم وظاهر أنه على الإعراب الأول لا يكون في الكلام دلالة على أنّ شريعتنا هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام . وحينئذ فلا مانع من تفسير الملة بالأحكام الشرعية كلها الاعتقادية والعملية ، أما الإعرابان الآخران فإنّهما يدلان على اتحاد الشريعتين ، وعلى هذا ينبغي قصر الملة على الأحكام الأصلية المتعلقة بالاعتقاد ، إذ لا شك أنها واحدة في شريعتنا وشريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، بل هي واحدة في جميع الشرائع لم تتغير بتغير الأزمان والأقوام ، اقرأ قوله تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
[ الشورى : 13 ] وقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 )
[ الأنبياء : 25 ] وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الأنبياء أولاد علّات » « 1 » يريد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة ، وعلى هذا يكون تخصيص إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالذكر ليقوي تمسك المؤمنين من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بشريعته إذ إنّ أكثرهم من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فهم يحبونه حب الأبناء للآباء ، ولا شكّ أنّ هذا الحب يقوّي فيهم روح الاستمساك بشريعة نبيهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ كانت هي شريعة أبيهم إبراهيم من قبل . وقد تبين لك من هذا معنى أبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام للمؤمنين من هذه الأمة . ويصحّ أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام أب لنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم كالأب لأمته من حيث إنه سبب لحياتهم السعيدة في الآخرة .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 4 / 1837 ) ، 43 - كتاب الفضائل ، 40 - باب فضائل عيسى حديث رقم ( 143 / 2365 ) ، والبخاري في الصحيح ( 4 / 171 ) ، 60 - كتاب الأنبياء ، 48 - باب ( واذكر في الكتاب ) حديث رقم ( 3442 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 525 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان