تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
يناسبه ما ورد في الآية الآتية من اجتباء المخاطبين ، وتسميتهم بالمسلمين ، وإعلاء شأنهم بقبول شهادتهم على الأمم يوم القيامة . وقد اختلف في المراد بالركوع والسجود في الآية . فقال الحنفية : إن المراد بهما معا الصلاة ، فالأمر بهما أمر بالصلاة ، وإنما عبّر عن الصلاة بهما لأنهما أهم أركانها وأفضلها . وقيل : إنهما كنايتان عن الذلة والخضوع . وقيل : المراد معناهما الشرعي المعروف . وقد أمر بهما لأنّ الناس في أول الإسلام كانوا يصلون تارة بغير ركوع ، وتارة بغير سجود ، فاللّه أمرهم بإتمام الصلاة والإتيان فيها بالركوع والسجود . وقال الشافعية إنّ الركوع مجاز عن الصلاة لاختصاصه بها . أما السجود فالمراد به سجود التلاوة . والعبادة : هي كل فعل تتجلى فيه الذلة والاستكانة تحت قهر الإله وسلطانه ، وعلى هذا قيل : إن المراد بها التكاليف التي تربط العبد بربه ، فهي أعمّ مما قبلها . أما فعل الخيرات فهو عام للتكاليف جميعها ، يشمل ما يصلح علاقة العبد بالرب ، وما يصلح علاقات الناس بعضهم مع بعض ، فأنت تجد هذه الأوامر مرتبة ، بدئ فيها بعبادة خاصة : وهي الصلاة ، ثم ثنّي بما هو أعم منها : وهو جميع العبادات ، ثم أتبع ذلك بما هو أعم من الكل : وهو فعل الخيرات الشامل للعبادات وللإحسان في المعاملات ، وبعضهم حمل العبادة على الفرائض ، وفعل الخير على النوافل . والفلاح : هو الفوز بنيل البغية ، ولا شكّ أن بغية كل عابد سائر على نهج الشريعة إنما هي السعادة الدائمة في الآخرة ، وهناءة العيش في الدنيا ، وقد علمت آنفا ما ينبغي أن يقال في كلمة ( لعل ) الواردة في كلام اللّه تعالى . ويصحّ أن يراد منها هنا أيضا الرجاء الحقيقي . ولكن على تقدير صدوره من العباد فيكون المعنى عليه : يا أيها الذين آمنوا صلوا ، وأدوا للّه كل ما تعبدكم به ، وافعلوا كلّ ما كلّفكم مما فيه الخير لكم ولأمتكم حالة كونكم راجين الفلاح ، ومتوقعين الفوز ودرك الرغائب ، فاللّه سبحانه يرشد المؤمنين إلى أنّه ليس من شأن العبد الذليل الذي يشعر قلبه الخشية من اللّه والخوف من جبروته أن يقطع بنتيجة في عمل من الأعمال التي كلّفها ، بل ينبغي أن تكون حاله بعد أن يحسن عمله حالة الرجاء ، وتوقع ما يؤمّل من نتيجة صالحة ، إذ إن العواقب مجهولة ، وقد يكون مقصّرا بعض التقصير في أعماله ، فلم يأت بها على الوجه الذي يحبه اللّه ويرضاه . ظاهر من الآية أنها قد جمعت أنواع التكاليف ، وأحاطت بفروع الشريعة ، فلم يفلت منها فرض ولا ما دون الفرض ، وظاهر أيضا أنها قصدت إلى الصلاة التي هي