وأجاب الجمهور بأن الحج يسمى سبيل اللّه ولكن الآية محمولة على الغزو لما ذكرناه .
وفسر بعض الحنفية سبيل اللّه بطلب العلم ، وفسره في « البدائع » « 1 » بجميع القرب فيدخل فيه جميع وجوه الخير مثل تكفين الموتى ، وبناء القناطر ، والحصون ، وعمارة المساجد ، لأن قوله تعالى :
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
عام في الكل . وأيّا ما كان الأمر فقد اشترط الحنفية للصرف في سبيل اللّه الفقر .
وقال الشافعية يعطي الغازي مع الفقر والغنى ، للخبر الذي ذكرناه في الغارم ، ويعطى ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والفرس ، فإن أخذ ولم يغز استرجع منه .
الصنف الثامن : ابن السبيل ابن السبيل الذي يعطى من الصدقة : هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة . قال العلماء : وإنما يعطى ابن السبيل بشرط حاجته في سفره ، ولا يضر غناه في غير سفره ، فيعطى ما يبلغ به مقصده . فإن كان سفره في طاعة كحج وغزو وزيارة مندوبة أعطي بلا خلاف .
وإن كان سفره في معصية لم يعط بلا خلاف ، لأنّ ذلك إعانة على المعصية .
وإن كان سفره في مباح كرياضة فللشافعية فيه وجهان :
أحدهما : لا يعطى ، لأنه غير محتاج إلى هذا السفر .
الثاني : يعطى ، لأنّ ما جعل رفقا بالمسافر في طاعة جعل رفقا بالمسافر في مباح كالقصر والفطر .
مسألة : هذه مسألة تشترك فيها الأصناف السابقة كلها : قال الرافعي « 2 » نقلا عن أصحاب الشافعي : من سأل الزكاة وعلم الإمام أنه ليس مستحقا لم يجز له صرف الزكاة إليه ، وإن علم استحقاقه جاز الصرف إليه بلا خلاف ، ولم يخرّجوه على الخلاف في قضاء القاضي بعلمه ، مع أن التهمة هاهنا مجالا أيضا للفرق بأن الزكاة مبنية على الرّفق والمساهلة ، وليس فيها إضرار بمعين ، بخلاف قضاء القاضي .
وإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان : خفية وجلية .
فالخفي : الفقر والمسكنة . فلا يطالب مدعيه ببينة لعسرها ، فلو عرف له مال وادعى هلاكه لم يقبل إلا ببينة .
هامش
( 1 ) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني بيروت ، دار الكتب العلمية ( 2 / 45 - 46 ) .
( 2 ) عبد الكريم بن محمد القزويني ، شيخ الشافعية في زمانه ، كان له مجلس في قزوين ، وتوفي منها سنة ( 623 ه ) ، ينتهي نسبه إلى رافع بن خديج الصحابي ، انظر الأعلام للزركلي ( 4 / 55 ) .