وأخذ بعض العلماء من قوله تعالى :
وَالْعامِلِينَ عَلَيْها
أنه يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة . وتأكّد هذا الوجوب بعمل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والخلفاء من بعده .
ففي « الصحيحين » « 1 » من رواية أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استعمل ابن اللتبية على الصدقات .
و
روى أبو داود والترمذي « 2 » عن أبي رافع مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ولّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال : اتبعني تصب منها . فقلت : حتى أسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسألته فقال لي : « إن مولى القوم من أنفسهم » .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة .
ويدل على الوجوب أيضا أن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه ، ومنهم من يبخل ، فوجب أن يبعث الإمام من يأخذ الزكاة .
ولا يبعث إلا حرا عدلا فقيها يستطيع أن يجتهد فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها .
ويدل قوله تعالى :
وَالْعامِلِينَ عَلَيْها
على أنّ أخذ الصدقات إلى الإمام وأنه لا يجزئ ربّ المال أن يعطيها المستحقين ، لأنه لو جاز لأرباب الأموال أداؤها إلى المستحقين لما احتيج إلى عامل لجبايتها ، فيضر بالفقراء والمساكين ، فدل ذلك على أن أخذها إلى الإمام ، وتأكد هذا بقوله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
لكن ربما يعارضه قوله تعالى :
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ( 24 ) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 25 )
[ المعارج : 24 ، 25 ] فإنه إذا كان ذلك الحق حقا للسائل والمحروم وجب أنه يجوز دفعه إليهما ابتداء .
من أجل ذلك ترى للعلماء تفصيلا في أموال الزكاة : فإن كان مال الزكاة باطنا فقد أجمعوا على أن للمالك أن يفرقها بنفسه ، كما أنّ له أن يدفعها إلى الإمام ، وإن كان مال الزكاة ظاهرا كالماشية والزروع والثمار فجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار على أنّه يجب دفعها إلى الإمام ، فإن فرقها المالك بنفسه لم يحتسب له بما أدى ، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية ، وقول من قولي الشافعي عملا بظاهر قوله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
ولأن الزكاة مال للإمام فيه حق المطالبة ، فوجب الدفع إليه كالخراج والجزية ، وقال الشافعي في الجديد : يجوز أن يفرقها بنفسه ، لأنها زكاة ، فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة الباطن .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 2 / 676 ) ، 12 - كتاب الزكاة ، 3 - باب في تقديم الزكاة حديث رقم ( 1 / 983 ) ، والبخاري في الصحيح ( 2 / 156 ) ، 24 - كتاب الزكاة ، 49 - باب قوله تعالى : ( وفي الرقاب ) حديث رقم ( 1468 ) .
( 2 ) سبق تخريجه .