تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه ، كما تقول : اسقني ذا إنائك أي ما فيه ، جعل كأنه صاحبه . والبين في أصل اللغة يطلق على الاتصال والافتراق ، وكل ما بين طرفين كما قال تعالى :
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
[ الأنعام : 94 ] برفع بين بمعنى الوصل ، وبنصبه على الظرفية بمعنى وقع التقطع بينكم . ومن استعمال البين بمعنى الافتراق والوصل قول الشاعر :
فو اللّه لولا البين لم يكن الهوى * ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
في الغنائم ، وفي كل أمر ونهي ، وقضاء وحكم ، وذكر الاسم الجليل في الأمرين لتربية المهابة وتعليل الحكم . وذكر الرسول مع اللّه تعالى أولا وآخرا لتعظيم شأنه ، وإظهار شرفه ، والإيذان بأنّ طاعته عليه الصلاة والسلام طاعة اللّه تعالى : وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى ، والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح ، وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
متعلق بالأوامر الثلاثة ، والجواب محذوف لدلالة ما تقدّم عليه ، أي فامتثلوا الأوامر الثلاثة فإنّ الإيمان يقتضي ذلك كله ، أو الجواب نفس ما تقدم على الخلاف . وأيا ما كان ، فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه ، لا التشكيك في إيمانهم ، وهو يكفي في التعليق بالشرط . والمراد بالإيمان التصديق ، ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر على معنى أن من شأنه ذلك ، لا أنه لازم له حقيقة . وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل ، والأعمال شرط فيه ، أو شطر ، فالمعنى إن كنتم كاملي الإيمان فإنّ كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة : الاتقاء والإصلاح وإطاعة اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم .

ما يستنبط من الآية

يستفاد منها أمور : 1 - حرص الصحابة على السؤال عما يهمهم من أمر دينهم . 2 - إنّ الأحكام مرجعها إلى اللّه تعالى ورسوله ، لا إلى غيرهما . 3 - اهتمام الشارع بإصلاح ذات البين ، فهو واجب شرعا لتوقف قوة الأمة عليه وعزتها ومنعتها ، ولحفظ وحدتها به . 4 - إن امتثال ما أمر به الشارع من ثمرات الإيمان . واللّه أعلم .