الحرم : الغراب ، والحدأة ، والعقرب والفأر ، والكلب العقور »
ففي الأمر بقتلهنّ دلالة على تحريم أكلهنّ ، لأنّها لو كانت مما يؤكل لأمر بالتوصل إلى دفع أذاها بذكاتها ، فلما أمر بقتلها ، والقتل إنما يكون لا على وجه الذكاة ، ثبت أنها غير مأكولة .
وكذلك ما نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتله ، لأنّ ما يؤكل لا ينهى عن قتله .
والشافعية يخصّصونها أيضا بما
روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : ما استخبثته العرب فهو حرام .
وشنع عليهم الإمام الرازي « 1 » في ذلك ، ولكن كلامه لا يخلو عن وهن ، ورأي الشافعية في ذلك أن الحيوان الذي لم يرد فيه بخصوصه نصّ بالتحليل أو بالتحريم ، ولم يؤمر بقتله ، ولم ينه عن قتله ، فإن استطابته العرب فهو حلال ، وإن استخبثته فهو حرام . ومعتمدهم في ذلك قوله تعالى :
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
[ الأعراف : 157 ] وقوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
[ المائدة : 4 ] قالوا : وليس المراد بالطيب هنا الحلال ، لأنّه لو كان المراد الحلال لكان تقديره أحل لكم الحلال ، وليس فيه بيان ، وإنما المراد بالطيبات ما يستطيبه العرب ، وبالخبائث ما يستخبثونه ، قالوا : ولا يرجع في ذلك إلى طبقات الناس ، وينزل كل قوم على عادتهم في الاستطياب والاستخباث ، لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام واضطرابها ، وذلك يخالف قواعد الشرع ، فيجب اعتبار العرب ، فهم أولى الأمم بأن يؤخذ باستطيابهم واستخباثهم ، لأنهم المخاطبون أولا ، وهم جيل معتدل لا يغلب فيهم الانهماك على المستقذرات ، ولا العفافة المتولدة من التنعم .
قالوا : وإنما يرجع إلى العرب الذين هم سكان القرى والريف ، دون سكان البوادي الذين يأكلون ما دب ودرج من غير تمييز ، وتعتبر عادة أهل اليسار والثروة ، وحال الخصب والرفاهية .
وبعد فقد احتجّ بظاهر الآية :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ
إلخ كثير من السلف فأباحوا ما عدا المذكور فيها .
فقد أخرج أبو داود عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير قالت :
قُلْ لا أَجِدُ
إلخ .
وعن ابن عباس أنه قال : ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرّم اللّه تعالى في كتابه :
قُلْ لا أَجِدُ
الآية .
هذا واستدل بقوله سبحانه :
عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ
على أنه إنما حرّم من الميتة ما
هامش
( 1 ) انظر كتاب أحكام القرآن للإمام الرازي ( 3 / 21 ) .