أن دعوى النسخ لا تقبل إلا بحجة ، وليس مع القائلين بالنسخ إلا مجرّد الدعوى ، كيف وقد عمل بها أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعده .
روي أنه شهد رجلان من أهل دقوقا على وصية مسلم فاستحلفهما أبو موسى بعد العصر ما اشترينا به ثمنا ولا كتمنا شهادة اللّه إنا إذا لمن الآثمين ، ثم قال : إن هذه القضية ما قضي بها من زمان رسول اللّه إلى اليوم .
وقد قالت السيدة عائشة رضي اللّه عنها : إنه لا منسوخ في المائدة .
وروي أيضا : المائدة من آخر القرآن نزولا ، فأحلّوا حلالها ، وحرّموا حرامها .
وذهب آخرون إلى أن المراد من الشهادة أيمان الأوصياء للورثة ، فما في الآية ليس شهادة ، بل هو وصية ، ويذهب إلى أنّ الأيمان قد سميت شهادة في القرآن
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ
[ النور : 6 ] .
وهذا الجواب أيضا بعيد عن ظاهر الآية لأنه قال :
اثْنانِ
، واليمين لا تختص بالاثنين ، وقال :
ذَوا عَدْلٍ
واليمين لا يشترط فيها ذلك ، وقال :
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
[ النساء : 101 ] هو ليس شرطا أيضا في اليمين .
وأحسن الأجوبة عن ذلك ما ذهب إليه علماء الحديث ، وقاله الإمام أحمد : من أنه أجيزت شهادة الكفار في السفر للضرورة ، قال صالح بن أحمد قال أبي : لا تجوز شهادة أهل الذمة إلا في مواضع : في السفر الذي قال اللّه تعالى :
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
فأجازها أبو موسى الأشعري .
وقد روي عن ابن عباس
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
من أهل الكتاب ، وهذا موضع ضرورة لأنّه في سفر ، ولا نجد من يشهد من المسلمين ، وإنما جاءت في هذا المعنى وهو مذهب شريح ، وقول سعيد بن المسيب ، وحكاه عن ابن عباس .
وبقي في المسألة بحث ، وهو أتجوز شهادتهم عند أحمد في كل ضرورة أم لا تجوز إلا في ضرورة السفر ؟ قال ابن تيمية : وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضوع هو ضرورة يقتضي هذا التعبير قبولها في كل ضرورة حضرا وسفرا ، ولو قيل : تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون لكان له وجه .
هذا في شهادة الكفار على المسلمين ، وأما شهادة بعضهم على بعض فذهب كثير من العلماء إلى منعها ، واحتجوا بظواهر من القرآن مثل قوله :
فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ
[ النساء : 15 ] وقوله :
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
[ الطلاق : 2 ] وقوله :
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ
[ البقرة : 282 ] .
وذهب آخرون إلى جوازها ، وأجابوا عن هذه الآيات بأنّ هذا إنما هو في الحكم بين المسلمين ، فإنّ السياق كله في ذلك ، فإن اللّه تعالى قال :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ