ولولا ما فرض اللّه من الحج والنّسك ما استطاع أحد أن يقيم فيه ، وقد جعل اللّه الدعاء فيه مقبولا ، والحسنات فيه مضاعفة ، لتشتد رغبة الناس فيه ، فيزيد الخير ، وتعم البركة . هذا إلى ما في اجتماع الناس ومجيئهم من البلاد النائية ، والأقطار المختلفة من منافع دونها منافع المؤتمرات التي يلجأ إليها الناس اليوم لتعرّف وجوه مصلحة المجتمع ، انظر كيف قال اللّه تعالى :
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( 27 ) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
[ الحج : 27 ، 28 ] ولا تنس ما في أعمال الحج من منافع ، حيث يتجرد الناس عن أمور الدنيا ، لا يحملهم شيء على هذا التجرد إلّا تقوى اللّه ، والمبادرة إلى امتثال أمره . يتذكرون باجتماعهم وتجرّدهم هول المحشر ، والوقوف بين يدي ربهم ، فتشتد خشيتهم ، ويعظم خوفهم ، فيتجنبون الموبقات والآثام .
قال سعيد بن جبير : من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا والآخرة أصابه .
وأخرج ابن جرير « 1 » عن ابن زيد قال : كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض ، ولم يكن في العرب ملوك كذلك . فجعل اللّه لهم البيت الحرام قياما يدفع به بعضهم عن بعض . فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه عنده ما قتله .
وتعظيم البيت وجعله أمنا للخائف وملجأ للعائذ ، أمر أودعه اللّه في قلوب الناس منذ القدم ، وليس هناك ما يمنع الناس من الاعتداء غير ما أودعه اللّه في القلوب من الهيبة والجلال ، وتعظيم البيت . وقد طبع الناس على الشر ، فلا يكبح جماحهم في نفوسهم إلا امتثال أمر اللّه . وبذلك أمكن أن يعيش الناس في هذه الأرض الجرداء .
فسبحان المدبر الحكيم .
وَالشَّهْرَ الْحَرامَ
معطوف على الكعبة ، والمعنى وجعل الشهر الحرام قياما للناس ، والمراد منه الشهر الذي يؤدّى فيه الحج ، أو الجنس فيشمل الأشهر الأربعة ، وقد عرفت أنّ المراد من القيام الصلاح في الدنيا والآخرة . ولا شكّ أنّ الشهر الحرام كذلك حيث يقوم فيها الحاج ممتثلا أمر ربه ، ويقدم النسك ، فينتفع ، وينتفع الناس ، ويأمن الخائف ، حيث إنهم كانوا يأمنون فيها ، ويتصرفون في معايشهم ، فهو قيام للناس أيضا
وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ
معطوف على ما قبله أيضا
وَالْهَدْيَ
ما يهدى إلى الحرم ولا شك أنّه قيام للناس ، به يقيم الفقر صلبه
وَالْقَلائِدَ
جمع قلادة والمراد بها ما يقلّد به البعير ، وما كانوا يفعلونه من تقليد أنفسهم ومطيّهم بلحاء الشجر ، حتى لا يتعرض لهم أحد بسوء ، وقيل : بل المراد من القلائد ذوات القلائد ، وخصت بالذكر لأنّ بها يعرف كون الهدي هديا ، فلا يتعرّض له أحد بسوء حتى يبلغ محلّه ، فيؤدي الغرض
هامش
( 1 ) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري ( 7 / 50 ) .