وعلى التقديرين الأولين المراد توصية المسلمين بالثقة بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وترك الاقتراح بعد رد ظن المشركين واليهود في النسخ ، فكأنه قيل : لا تكونوا فيما أنزل إليكم من القرآن كاليهود في ترك الثقة بالآيات البينات ، واقتراح غيرها ، فتضلّوا ، وتكفروا بعد الإيمان ، وفي هذه التوصية كمال المبالغة والبلاغة ، حتى كأنّهم بصدد الإرادة ، فنهوا عنها ، فضلا عن السؤال .
هذا وقد ذكر بعض المفسرين « 1 » أنّ الصحابة اقترحوا على الرسول أشياء بعينها
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سبحان اللّه ! هذا كما قال قوم موسى :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
[ الأعراف : 138 ] والذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من قبلكم . . . » الحديث « 2 » .
زعم بعضهم أن الخطاب فيها لليهود ، وأن الآية نزلت فيهم حين سألوا أن ينزّل عليهم كتاب من السماء جملة كما نزلت التوراة على موسى جملة ، ويكون الفعل المضارع مرادا منه الماضي . واختاره الإمام الرازي . قال : إنه الأصح . لأن السورة من أول قوله :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 40 ] حكاية عن اليهود ، ومحاجّة معهم ، ولأنّ المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يكون متبدلا به الكفر بالإيمان .
وذهب قوم إلى أنها نزلت في أهل مكة ، حين سألوا المصطفى أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن يوسّع لهم أرض مكة ، وأن يفجّر الأنهار خلالها تفجيرا ، ولا مانع من جعل الكل أسبابا .
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
جملة مستقلة مشتملة على حكم كليّ أخرجت مخرج النهي جيء بها لتأكيد النهي عن الاقتراح المفهوم من قوله :
أَمْ تُرِيدُونَ
.
و ( سواء ) بمعنى وسط أو مستو ، والإضافة من إضافة الصفة للموصوف ، والباء داخلة على العوض المتروك ، نظيرها في قوله تعالى :
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
[ البقرة : 61 ] .
وحاصل الآية : أن من يترك الثقة بالآيات البينات المنزلة بحسب المصالح ، التي من جملتها الآيات الناسخات ، التي ما جاءت إلا لمحض الخير ، واقتراح غيرها ، فقد حاد من حيث لا يدري عن الطريق المستقيم ، الموصل إلى معالم الحق والهدى .
هذا وقد زعم بعضهم أن ( آية ) في قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
لا يراد منها
هامش
( 1 ) انظر تفسير ابن جرير الطبري المسمى جامع البيان في تفسير القرآن ( 6 / 139 ) ، وتفسير ابن كثير المسمى تفسير القرآن العظيم ( 2 / 243 ) .
( 2 ) رواه البخاري في الصحيح ، 96 - كتاب الاعتصام ، 10 - باب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حديث رقم ( 7319 ) .