تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
من أحيا سنة أماتوها » « 1 » وإنما بحث عليه الصلاة والسلام في هذه الحادثة في كتبهم لأنّ الحدود الإسلامية لم تكن نزلت ، فأقام الرجم على شريعة موسى عليه الصلاة والسلام ، وأما ما نزل حكمه في الشريعة الإسلامية فلا يجوز للمسلم المحكّم أن يحكم فيه بغير حكم الإسلام . وقيل : نزلت في أمر خاص هو الدية بين بني قريظة وبني النضير ، فكان بنو النضير يرون أنّ لهم شرفا يقضي بأن دية النضيري ضعف دية القرظي فغضب بنو قريظة ، وتحاكموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحكم بينهم بالحق وجعل الدية سواء ، وإذا لوحظ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أمكن القول بأنّ الآية عامة في كل من جاء إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يتحاكم إليه . وظاهر الآية أنّه عليه الصلاة والسلام مخيّر بين أن يحكم بينهم وبين أن يعرض عنهم ، ولكنّ المتقدمين اختلفوا فقال النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبو بكر الأصم وأبو مسلم أنّ حكم التخيير الذي تدل الآية عليه ثابت غير منسوخ . وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة : إن هذا الحكم منسوخ بقوله تعالى :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
وبعضهم وفق بين المختلفين بأنّ التخيير ورد في أهل العهد الذين ليسوا من أهل الذمة كبني قريظة والنضير ، فلا يجب على الحاكم المسلم أن يجري عليهم أحكام المسلمين ، وإن ترافعوا إليه كان مخيّرا بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم ، وقوله تعالى :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
ورد في أهل الذمة الذين لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وعلى هذا فلا نسخ في الآية ، وهذا هو أساس قول الحنفية : إن أهل الذمة والمسلمين سواء في إجراء الأحكام الإسلامية عليهم ، كعقود المعاملات والتجارات والمواريث والحدود ، إلا أنهم لا يرجمون ، لأنّهم غير محصنين ، ويجوز لهم الاتجار في الخمر والخنزير دون المسلمين . و قد ورد أنه عليه الصلاة والسلام قال في كتابه إلى أهل نجران : « إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من اللّه ورسوله » فجعلهم كالمسلمين في تحريم الربا عليهم . وقال الشافعية : إنّ أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا وجب على الحاكم أن يحكم بينهم بما أنزل اللّه ، وأما المعاهدون فلا يجب عليه ذلك إذا تحاكموا إلينا ، بل هو مخيّر بين الحكم بينهم وبين الإعراض عنهم .
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً
الغرض من هذه الجملة بيان حال الأمرين
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 3 / 1327 ) ، 29 - كتاب الحدود ، 6 - باب رجم اليهود حديث رقم ( 28 / 1700 ) .