تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وقد روي عن عبد اللّه بن مسعود قال : « لا تقصر إلا في حج أو جهاد » . وعن عطاء قال : لا أرى أن يقصر الصلاة إلا من كان في سبيل اللّه . لكن هذا مخالف لظاهر الآية ، ولا تمسك لهم بما روي أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقصر إلا في حج أو جهاد ، فإنما ذلك لأنّه لم يسافر إلا في حج أو جهاد . وقد تمسك داود الظاهري بهذا الظاهر ، وقال : إن قليل السفر وكثيره سواء في جواز القصر ، فالمدار في تحقيق القصر عندهم على تحقق شرطه ، وهو الضرب في الأرض . وأما الجمهور فقد قالوا : إنّ الضرب في الأرض حقيقته الانتقال من مكان إلى مكان . وظاهر أنّ مجرد الانتقال من مكان إلى مكان لا يكون سببا في الرخصة ، فلا بدّ أن يكون الضرب المرخّص ضربا مخصوصا ، ولما كان ذلك لا يعرف إلا ببيان السنة لمقدار الانتقال المرخّص ، ولم يرد في بيان السنة ترخيص في القصر في أقل من سفر يوم ، وذلك أنه حصل في المسألة روايات : 1 - روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال : يقصر في يوم تامّ ، وبه قال الزهري والأوزاعي . 2 - قال ابن عباس : إذا زاد على يوم وليلة قصر . 3 - قال أنس بن مالك : المعتبر خمسة فراسخ . 4 - قال الحسن : مسيرة ليلتين . 5 - قال الشعبيّ والنخعيّ وسعيد بن جبير : من الكوفة إلى المدائن ، وهي مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وعنهم : يومان وأكثر الثالث . 6 - قال مالك والشافعي : أربعة برد ، كل بريد أربعة فراسخ . فهذه الأقوال على ما بينها من الاختلاف تدلّ على إجماعهم على أنّ السفر المرخّص مقدّر بقدر مخصوص هو الذي فيه الاختلاف . وقد عول الحنفية في مذهبهم على قوله عليه الصلاة والسلام : « يمسح المقيم يوما وليلة ، والمسافر ثلاثة أيام « 1 » ، وعلى ما ورد في منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم » فدلّ هذا على أنّ ما دون الثلاث ليس سفرا ، بل هو في حكم الإقامة ، حيث جعل الثلاث فاصلا بين الخروج دون محرم وعدمه . وأما الشافعية فإنهم عوّلوا في مذهبهم على ما روي عن مجاهد وعطاء عن ابن
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 1 / 232 ) ، 2 - كتاب الطهارة ، 24 - باب التوقيت في المسح حديث رقم ( 85 / 276 ) .