تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
استعماله أنه لا يتيمم ، ولكن لما قاله اللّه تعالى :
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
[ المائدة : 6 ] وقال :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة : 185 ] فهم منه أن الغرض من شرع التيمم هو التيسير على الناس ، والتيسير على الناس لا يكون بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء في الطهارة ليقعوا في العطب من جرّاء العطش أو الجوع . وكذلك فهم من ترتيب التيمم على عدم الماء أن المراد ماء يكفي للطهارة ، وأما ما لا يكفي لها فوجوده غير معتدّ به . وقد اختلف فقهاء الأمصار في جواز التيمم بالحجر وما ماثله من كل ما كان من الأرض ، فجوّزه أبو حنيفة ، واشترط أبو يوسف أن يكون المتيمم به ترابا أو رملا وقال مالك : يتيمّم بالحصا والجبل : وحكي عن أصحابه عنه أنه أجاز التيمم بالزرنيخ والنّورة ونحوهما ، وروى أشهب عنه أنه يجيز التيمم بالثلج . وقال الشافعي رضي اللّه عنه : إنما التيمم من التراب . ومنشأ الخلاف في فهم الطيّب ، فمن حمله على الطاهر قال : المراد كلّ ما كان من جنس الأرض ، بشرط الطهارة . وقد أطلق الطيب وأريد به الحلال الطاهر ، كما في قوله تعالى :
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
[ البقرة : 57 ] . ومن فهم أنه ينبت قال : إنّ المراد الأرض الصالحة للإنبات ، وهي ذات التراب ، وقد أطلق الطيب وأريد منه ذلك كما في قوله :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
[ الأعراف : 58 ] ، للأولين أن يقولوا : إنّ هذا الإطلاق غير مراد هنا ، لأنّ المراد بالطيّب في قوله :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ
البلد الذي ليست أرضه سبخة ، ونحن مجمعون على جواز التيمم بتراب الأرض السبخة ، فعلمنا أنّ الطيّب بهذا المعنى غير مراد هنا . وهذا وظاهر قوله تعالى في سورة المائدة :
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
[ المائدة : 6 ] يدلّ على أنّ المراد بالصعيد : شيء يصل أثر منه إلى الوجه واليدين عند المسح . وهل المسّ على الحجر الأملس يصل منه شيء إلى الوجه واليدين ؟ فنحن نرى أنّ الظاهر قول من قال : بأن المراد بالصعيد تراب الأرض ، والسنة تؤيّد هذا ، فقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من طرق صحيحة « 1 » ، جعلت لي الأرض مسجدا ، وتربتها طهورا ، وروي و « ترابها طهورا » نعم قد ورد في هذا المعنى « جعلت لي
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 1 / 371 ) ، 5 - كتاب المساجد حديث رقم ( 4 / 522 ) .