تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 824

مساهمون:

ص٨٢٤
عبس النبي وأعرض بوجهه لأن جاءه الأعمى ، وهو ابن أم مكتوم ، جاءه وهو مشغول بمحادثة زعماء الشرك ، فعاتبه اللّه على ذلك قائلا : وما يدريك لعله يتطهر بما يسمعه منك ويتلقاه عنك من الوحي ، نعم أي شيء يعلمك بحال هذا السائل لعله يتطهر أو يتعظ فتنفعه موعظتك ؟ التفت اللّه إلى رسوله الكريم معاتبا لائما قائلا ما معناه : إن ما صدر منك كان على هذا التفصيل : فالذي استغنى عن الإيمان باللّه وعن طاعته وطاعة رسوله ، واستغنى بماله وجاهه عن قبول الحق وعن استماع النصيحة فأنت تتعرض له ، وتشغل نفسك بوعظه ، وأما من جاءك طالبا الهداية خائفا من اللّه ، فأنت عنه تتلهى وتشتغل عنه بسواه ، وهذا عتاب للنبي وإنكار لهذا العمل ، مع أن الرسول ليس عليه إلا البلاغ ، فمن ركب رأسه ، واغتر بدنياه ، وأغفل آخرته ، وظن أنه غنى عن هداية اللّه فليس على الرسول عيب ولا لوم في بقائه على حالته . ثم لما ذكر اللّه هذه الحادثة أعقبها ببيان وظيفة الرسول وعمله وأن هذه الرسالة التي أرسل بها الرسول ليست محتاجة إلى حيلة ولا موعظة ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وعلى ذلك فلست أيها الرسول في حاجة إلى الإلحاح على هؤلاء ليؤمنوا . كلا . . إنها - آيات القرآن - تذكير ووعظ ، لمن غفل عن اللّه ؛ فمن شاء ذكره واتعظ به فليفعل ، ومن لم ينفعه وعظه فقد جنى على نفسه . ثم إن اللّه تعالى وصف هذه التذكرة بأوصاف تدل على عظم شأنها ، فقال : إنها مودعة وثابتة في صحف عالية مكرمة مشرفة ، مرفوعة مطهرة عن النقص والعيب ، لا تشوبها شائبة خلل في أية ناحية من النواحي ، وقد أتت بأيدي ملائكة سفرة بين اللّه وبين الخلق ، وهم كرام على اللّه
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
[ الأنبياء 26 ] وأبرار وأطهار ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون . فهذا هو حال القرآن جاء تذكرة وموعظة ، وكان بالمنزلة العالية المرفوعة المطهرة وجاء على أيدي ملائكة أمناء كرام بررة ، فهل يعقل بعد هذا أن يكفر به عاقل ؟ ! قتل الإنسان ! ما أشد كفره ! وما أفظعه ! أفلا ينظر إلى نفسه من أي شيء خلق ؟ إنه خلق من نطفة قذرة ، ثم كان خلقا سويا قد قدره اللّه وهيأه ليقوم بما يكلف به ،