ما هم عليه ، فكان من الخير أن تختم السورة بتوجيهات شديدة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم تنفعه في هذا الوضع .
المعنى :
إنا نحن نزلنا عليك القرآن يا محمد : نزلناه تنزيلا ، فهذا القرآن حق لا شك فيه ولا مراء ، وليس عليك إلا اتباعه ، وعلينا وحدنا نصرة المؤمنين وخذلان الكافرين ، فالأمر كله للّه الذي أنزل القرآن كتابا محكما لا يأتيه الباطل أبدا ، وإذا كان الأمر كذلك فاصبر لحكم ربك فإنه هو الحكم العدل ، سيقضي بينك وبينهم بالقول الفصل ، وما عليك شيء سوى الصبر ، وإياك أن تطيع منهم آثما كثير الذنوب كعتبة بن ربيعة الذي كان يعرض على النبي أن يترك دينه نظير تزويجه بنتا جميلة من بناته ، ولا تطع منهم كفورا قوى الشكيمة في الكفر شديد التعصب للجاهلية كأبى جهل والوليد بن المغيرة ، الذي
يروى عنه أنه كان يقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ارجع عن هذا الأمر وسأعطيك مالا حتى ترضى ، ولهذا قال له ربه : اصبر حتى يقضى اللّه أمرا كان مفعولا ، ولا تطع منهم آثما أو كفورا .
ولهذا لا بد لمقابلة هذه الشدائد من التذرع بسلاح الإيمان القوى : ألا وهو الذكر في الصباح والمساء والغدو والرواح فإنه الحصن الحصين ، والسجود للّه في الليل وتسبيحه في وقت طويل منه .
وأما هؤلاء الكفار فدعهم لخالقهم فهو أعلم بهم وأدرى ، إنهم يحبون العاجلة ويجرون وراء الدنيا وزينتها الفانية ، ويتركون وراءهم يوما شديد الهول ، يوما تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، فنحن خلقناهم ، وأحكمنا خلقهم وتصويرهم . وإذا شئنا بدلنا بهم أمثالهم تبديلا ، فربك على كل شيء قدير ، وهذا تهديد لهم كبير .
إن هذه السورة وأمثالها - يا محمد - تذكرة وعظة فمن شاء اتعظ واتخذ إلى ربه سبيل الخير الموصلة للخير في الآخرة . ومن شاء لم يتعظ واتخذ طريق الضلال والإثم والفسوق والعصيان إلى ربه ؟ وهذا أسلوب تطمين وتهدئة لخاطر النبي الكريم .